ذاته له. وهاهنا تقديم وتأخير في ترتيب المعاني في عقولنا. والغرض المحصل هو شيء واحد. وكذلك عقلنا لذاتنا هو نفس الذات. وإذا عقلنا شيئا فلسنا نعقل أن نعقل بعقل آخر ، لأن ذلك يؤدي إلى التسلسل. ثم لما لم يكن جمال وبهاء فوق جمال وبهاء لماهية عقلية صرفة وخيرية محضة بريئة عن المواد ، وأنحاء النقص واحدة من كل جهة ولم يسلم ذلك بكنهه إلا لواجب الوجود ، فهو الجمال المحض ، والبهاء المحض ، وكل جمال وبهاء وملائم وخير فهو محبوب معشوق. وكلما كان الإدراك أشد اكتناها والمدرك أجمل ذاتا فحب القوة المدركة له وعشقها له والتذاذها به كان أشد وأكثر ، فهو أفضل مدرك بأفضل إدراك لأفضل مدرك ، وهو عاشق لذاته ومعشوق لذاته ، عشق من غيره أو لم يعشق. وأنت تعلم أن إدراك العقل للمعقول أقوى من إدراك الحس للمحسوس ، لأن العقل إنما يدرك الأمر الباقي ويتحد به ويصير هو هو (١) ويدركه بكنهه لا بظاهره ، ولا كذلك الحس فاللذة التي لنا بأن نعقل فوق اللذة التي لنا بأن نحس ، لكنه قد يعرض أن تكون القوة الداركة لا تستلذ بالملائم لعوارض كالمرور يستمرئ العسل ويكرهه لعارض (٢).
واعلم أن واجب الوجود ليس يجوز أن يعقل الأشياء من الأشياء ، وإلا فذاته إما متقومة بما يعقل أو عارض لها أن يعقل ، وذلك محال بل كما أنه مبدأ كل وجود فيعقل من ذاته ما هو مبدأ له ، وهو مبدأ للموجودات التامة بأعيانها. والموجودات الكائنة الفاسدة بأنواعها أولا وبتوسط ذلك بأشخاصها. ولا يجوز أن يكون عاقلا لهذه المتغيرات مع تغيرها حتى يكون تارة يعقل منها أنها موجودة غير معدومة ،
__________________
(١) لقد أنكر في كتابه «التنبيه والإشارات» معنى الاتحاد وأقرّه في هذه الصفحات.
(٢) ويجب أن تعلم أنّا لا نجد إذا حصل لقوتنا العقلية كمالها بالعقل من اللذة ما يجب للشيء في نفسه ، وذلك لعائق البدن. فلو انفردنا عن البدن لكنا بمطالعتنا ذاتنا وقد صارت عالما عقليا مطالعا للموجود الحقيقة والجمالات الحقيقة والملذات الحقيقة متصلة بها اتصال معقول بمعقول تجد من اللذة والبهاء ما لا نهاية له. واعلم أن لذة كل قوة حصول كمالها ، فللحس المحسوسات الملائمة ، وللغضب الانتقام وللرجاء الظفر ولكل شيء ما يخصه ، وللنفس الناطقة مصيرها عالما عقليا بالفعل. فالواجب الوجود معقول عقل أو لم يعقل ، معشوق عشق أم لم يعشق، لزيد شعر بذلك أم لم يشعر.
![الملل والنّحل [ ج ٢ ] الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3570_almilal-walnihal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
