الوجود هو حق محض ، لأن حقيقة كل شيء خصوصية وجوده الذي يثبت له ، فلا أحق إذن من واجب الوجود.
وقد يقال حق أيضا لما يكون الاعتقاد بوجوده صادقا ، فلا أحق بهذه الصفة مما يكون الاعتقاد بوجوده صادقا ، ومع صدقه دائما ، ومع دوامه لذاته لا لغيره ، وهو واحد محض ، لأنه لا يجوز أن يكون نوع واجب الوجود لغير ذاته ، لأن وجود نوعه له بعينه ، إما أن تقتضيه ذات نوعه ، أو لا تقتضيه ذات نوعه بل تقتضيه علة ، فإن كان وجود نوعه مقتضى ذات نوعه لم يوجد إلا له ، وإن كان لعلة فهو معلول (١) ، فهو إذن تام في وحدانيته وواحد من جهة تمامية وجوده ، وواحد من جهة أن حده له ، وواحد من جهة أنه لا ينقسم لا بالكم ولا بالمبادئ المقومة له ، ولا بأجزاء الحد ، وواحد من جهة أن لكل شيء وحدة محضة وبها كمال حقيقته الذاتية ، وواحد من جهة أن مرتبته من الوجود وهو وجوب الوجود ليس إلا له ، فلا يجوز إذن أن يكون اثنان كل واحد منهما واجب الوجود بذاته ، فيكون وجوب الوجود مشتركا فيه على أن يكون جنسا أو عارضا ويقع الفصل بشيء آخر ، إذ يلزم التركيب في ذات كل واحد منهما. بل ولا تظن أنه موجود وله ماهية وراء الوجود كطبيعة الحيوان واللون مثلا الجنسين اللذين يحتاجان إلى فصل وفصل حتى يتقررا في وجودهما ، لأن تلك الطبائع معلولة ، وإنما يحتاجان لا في نفس الحيوانية واللونية المشتركة بل في الوجود. وهاهنا : فوجوب الوجود هو الماهية ، وهو مكان الحيوانية التي لا تحتاج إلى فصل في أن يكون حيوانا بل في أن يكون موجودا.
__________________
إلا الواجب الوجود بذاته وقد يقال أيضا لما كان نافعا ومفيدا لكمالات الأشياء ، وواجب الوجود يجب أن يكون لذاته مفيدا لكل وجود ولكل كمال وجود ، فهو من هذه الجهة خير أيضا لا يدخله نقص ولا شر.
(١) فواجب الوجود ولذاته لا ندّ له ولا مثل ولا ضد ، لأن الضد يطلق على مساو في القوة ممانع ، وكل ما سوى الأول فمعلول فلا مساواة والأضداد متفاسدة متشاركة في الموضوع ، وواجب الوجود بريء عن المادة.
![الملل والنّحل [ ج ٢ ] الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3570_almilal-walnihal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
