هو ذات الآخر ، ولا ذات المجتمع (١). وقد وضح أن الأجزاء بالذات أقدم من الكل ، فتكون العلة الموجبة للوجود علة للأجزاء ثم للكل. ولا يكون شيء منها بواجب الوجود. وليس يمكننا أن نقول إن الكل أقدم بالذات من الأجزاء فهو إما متأخر وإما معا. فقد اتضح أن واجب الوجود ليس بجسم ، ولا مادة في جسم ، ولا صورة في جسم ، ولا مادة معقولة لقبول صورة معقولة ، ولا صورة معقولة في مادة معقولة ، ولا قسمة له : لا في الكم، ولا في المبادي ، ولا في القول ، فهو واجب الوجود من جميع جهاته ، إذ هو واحد من كل وجه فلا جهة ولا جهة (٢). وأيضا فإن قدر أن يكون واجبا من جهة ممكنا من جهة كان إمكانه متعلقا بواجب ، فلم يكن واجب الوجود بذاته مطلقا ، فينبغي أن يتفطن من هذا لأن واجب الوجود لا يتأخر عن وجوده وجود له منتظر ، بل كل ما هو ممكن له فهو واجب له ، فلا له إرادة منتظرة ، ولا علم منتظر ، ولا طبيعة ، ولا صفة من الصفات التي تكون لذاته منتظرة ، وهو خير محض ، وكمال محض. والخير بالجملة هو ما يتشوقه كل شيء ويتم به وجود كل شيء. والشر لا ذات له ، بل هو إما عدم جوهر ، أو عدم صلاح حال للجوهر ، فالوجود خيرية ، وكمال الوجود كمال الخيرية. والوجود الذي لا يقارنه عدم ، لا عدم جوهر ، ولا عدم حال للجوهر ، بل هو دائم بالفعل ، فهو خير محض. والممكن بذاته ليس خيرا محضا لأن ذاته تحتمل العدم (٣). وواجب
__________________
(١) فإما أن يصح لكل واحد من جزئيه مثلا وجود منفرد لكنه لا يصح للمجتمع وجود دونها فلا يكون المجتمع واجب الوجود أو يصح ذلك لبعضها ، ولكنه لا يصح للمجتمع وجود دونه فما لم يصح له من المجتمع والأجزاء الأخرى وجود منفرد فليس واجب الوجود ، ولم يكن واجب الوجود إلا الذي يصح له ، وإن كان لا يصح لتلك الأجزاء مفارقة الجملة في الوجود ، ولا للجملة مفارقة الأجزاء وتعلق وجود كل بالآخر ، وليس واحد أقدم بالذات فليس شيء منها بواجب الوجود.
(٢) فإن كان من جهة واجب الوجود ، ومن جهة ممكن الوجود ، فكانت تلك الجهة تكون له ولا تكون له ولا تخلو عن ذلك ، وكل منهما بعلة يتعلق الأمر بها ضرورة ، فكانت ذاته متعلقة الوجود بعلتي أمرين لا يخلو منهما فلم يكن واجب الوجود بذاته مطلقا بل مع العلتين سواء كان أحدهما وجودا ، والآخر عدما ، أو كان كلاهما وجوديين.
(٣) فإن ما احتمل العدم بوجه ما ، فليس من جميع جهاته بريئا من الشر والنقص ، فإذن ليس الخير المحض
![الملل والنّحل [ ج ٢ ] الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3570_almilal-walnihal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
