متكثرة من جهة النسبة إلى العنصر والمادة المتكثرة بالأمكنة والأزمنة ، وهذا محال أيضا. فإنا إذا فرضناها قبل البدن ماهية مجردة لا نسبة لها إلى مادة دون مادة ، وهي من حيث إنها ماهية لا اختلاف فيها ، وأن الأشياء التي ذواتها معان تتكثر تنوعاتها بالحوامل والقوابل والمنفعلات عنها وإذا كانت مجردة فمحال أن يكون بينها مغايرة ومكاثرة.
ولعمري إنها تبقى بعد البدن متكثرة ، فإن الأنفس قد وجد كل منها ذاتا منفردة باختلاف موادّها التي كانت ، وباختلاف أزمنة حدوثها ، وباختلاف هيئات وملكات حصلت عند الاتصال بالبدن ، فهي حادثة مع حدوث البدن ، تصيره نوعا كسائر الفصول الذاتية ، وباقية بعد مفارقة البدن بعوارض معينة له لم توجد تلك العوارض قبل اتصالها بالبدن ، وبهذا الدليل فارق أستاذه ، وفارق قدماءه.
وجد في أثناء كلامه ما يدل على أنه يعتقد أن النفس كانت موجودة قبل وجود الأبدان. فحمل بعض مفسري كلامه قوله ذلك على أنه أراد به الفيض والصور الموجودة بالقوة في واهب الصور ؛ كما يقال إن النار موجودة في الحجر والشجر ، أو الإنسان موجود في النطفة ، والنخلة موجودة في النواة ، والضياء موجود في الشمس. ومنهم من أجراه على ظاهره وحكم بالتمييز بين النفوس بالخواص التي لها ، وقال : اختصت كل نفس إنسانية بخاصية لم يشاركها فيها غيرها (١). فليست متفقة بالنوع ، أعني النوع الأخير ، ومنهم من حكم بالتمييز بالعوارض التي هي مهيأة نحوها ، وكما أنها تتمايز بعد الاتصال بالبدن بأنها كانت متمايزة في المادة ، كذلك تتمايز بأنها ستكون متمايزة بالأبدان والصنائع والأفعال ، واستعداد كل نفس لصنعة خاصة ، وعلم خاص فتنهض هذه فصولا ذاتية ، أو عوارض لازمة لوجودها.
المسألة السادسة عشرة :
في بقائها بعد البدن ، وسعادتها في العالم العقلي.
__________________
(١) فالنفس النقية الطاهرة لم تتدنس ولم تتسخ بأوساخ البدن ، فإنها إذا فارقت البدن رجعت إلى عالمها ـ
![الملل والنّحل [ ج ٢ ] الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3570_almilal-walnihal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
