عندهم. وكان مولده في أول سنة من ملك أردشير بن دارا. فلما أتت عليه سبع عشرة سنة أسلمه أبوه إلى المؤدب أفلاطون فمكث عنده نيفا وعشرين سنة. وإنما سموه المعلم الأول ؛ لأنه واضع التعاليم المنطقية ومخرجها من القوة إلى الفعل ، وحكمه حكم واضع النحو ، وواضع العروض ، فإن نسبة المنطق إلى المعاني التي في الذهن كنسبة النحو إلى الكلام ، والعروض إلى الشعر ، وهو واضع لا بمعنى أنه لم تكن المعاني مقومة بالمنطق قبله فقومها ، بل بمعنى أنه جرد آلته عن المادة فقومها تقريبا إلى أذهان المتعلمين حتى يكون كالميزان عندهم يرجعون إليه عند اشتباه الصواب بالخطإ ، والحق بالباطل ، إلا أنه أجمل القول فيه إجمال الممهدين ، وفصله المتأخرون تفصيل الشارحين. وله حق السبق وفضيلة التمهيد. وكتبه في الطبيعيات ، والإلهيات ، والأخلاق معروفة ، ولها شروح كثيرة.
ونحن اخترنا في نقل مذهبه شرح «ثامسطيوس» الذي اعتمده مقدم المتأخرين ورئيسهم : أبو علي بن سينا ، وأردنا نكتا من كلامه في الإلهيات ، وأحلنا باقي مقالاته في المسائل على نقل المتأخرين ، إذ لم يخالفوه في رأي ، ولا نازعوه في حكم ، بل هم كالمقلدين له ، المتهالكين عليه ، وليس الأمر على ما مالت ظنونهم إليه.
المسألة الأولى :
في إثبات واجب الوجود الذي هو المحرك الأول (١) ، قال في كتاب «أثولوجيا» من حرف اللام :
__________________
ـ الحق على أفلاطون. وقد روي أنه ألف قرابة أربعمائة كتاب ، وقد فقد معظمها ، ومن حسن الحظ أن ما بقي منها هو أهم ما كتب. (انظر تاريخ الفلسفة اليونانية ص ٢١١).
(١) وقد قرر أن المحرك الأول واهب الوجود ، وهو غير متحرك أصلا بالذات ، ولا بالعرض ، فيرى أن الله محيط بالعالم ولكن التماس غير ضروري ليحرك الله العالم كعلة فاعلية ، والله غير جسمي ، إذ أنه ليس له مكان ، وقد ذهب إلى أنه إذا كان الفاعل يماس المنفعل دائما ، فالعكس لا يصدق على الفاعل غير المادي ، بحيث يكفي أن يماس الله العالم دون أن يماسه العالم ، فكيف يماس اللامادي المادي ، فالله علة غائية لحركة العالم ، والله منزه عن الحركة ، لأنه إذا كان متحركا وجب أن يفتقر إلى محرك ، وهذا المحرك هو بدوره مفتقر إلى محرك ، فيستقر الأمر بأن لحركة العالم علة أولى ثابتة غير متحركة.
![الملل والنّحل [ ج ٢ ] الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3570_almilal-walnihal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
