وقال : العلم في موطنه كالذهب في معدنه ، لا يستنبط إلا بالدءوب والتعب ، والكد والنصب ، ثم يجب تخليصه بالفكر كما يخلص الذهب بالنار.
وقال بطليموس : دلالة القمر في الأيام أقوى ، ودلالة الشمس والزهرة في الشهور أقوى ، ودلالة المشتري وزحل في السنين أقوى.
ومما نقل عنه أنه قال : نحن كائنون في الزمن الذي يأتي بعد ، وهذا رمز إلى المعاد ، إذ الكون والوجود الحقيقي : ذلك الكون والوجود في ذلك العالم.
١٤ ـ حكم أهل المظالّ (١)
ومنهم : خروسيبس وزينون ، وقولهما الخالص : إن الباري تعالى المبدع الأول واحد محض ، هو هو إن فقط ، أبدع العقل والنفس دفعة واحدة ، ثم أبدع جميع ما تحتهما بتوسطهما. وفي بدء ما أبدعهما ، أبدعهما جوهرين لا يجوز عليهما الدثور والفناء.
وذكروا أن للنفس جرمين : جرم من النار والهواء ، وجرم من الماء والأرض ، فالنفس متحدة بالجرم الذي من النار والهواء ، والجرم الذي من النار والهواء متحد بالجرم الذي من الماء والأرض ، والنفس تظهر أفاعيلها في ذلك الجرم ، وذلك الجرم ليس له طول ولا عرض ، ولا قدر مكاني ، وباصطلاحنا سميناه جسما ، وأفاعيل النفس فيه نيرة بهية ، ومن الجسم إلى الجرم ينحدر النور ، والحسن ، والبهاء ، ولما ظهرت أفاعيل النفس عندنا بمتوسطين كانت أظلم ، ولم يكن لها نور شديد.
وذكروا أن النفس إذا كانت طاهرة زكية استخصت الأجزاء النارية والهوائية ، وهي جسمها ، واستصحبت في ذلك العالم جسما روحانيا ، نورانيا علويا ، طاهرا ،
__________________
(١) يظهر أن الشهرستاني وغيره لم يذكروا عن أهل المظال إلا القليل لأن التاريخ لم يحفظ لنا مما كتبه الفلاسفة الرواقيون في القرون الثلاثة الأولى من حياة مدرستهم سوى أجزاء قليلة متناثرة ، على كثرة ما سطرت أقلامهم ، حتى قيل عن أحدهم كريسبس أنه ألّف وحده نحو سبعمائة كتاب مناقضة لفلسفة سقراط وأفلاطون وأرسطو مما نأى بالكتاب الإسلاميين عن العناية بهم وبفلسفتهم. (الفلسفة الرواقية ص ٣٠).
![الملل والنّحل [ ج ٢ ] الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3570_almilal-walnihal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
