وقال أبو بكر بن بالويه : سمعت إمام الأئمّة ابن خزيمة يقول : ما أعلم على أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير. ولقد ظلمته الحنابلة (١).
وقال أبو محمد الفرغانيّ : كان محمد بن جرير ممّن لا تأخذه في الله لومة لائم ، مع عظيم ما يلحقه من الأذى والشّناعات من جاهل وحاسد وملحد. فأمّا أهل الدّين والعلم فغير منكرين علمه وزهده في الدّنيا ورفضه لها ، وقناعته بما كان يرد عليه من حصّة خلّفها له أبوه بطبرستان يسيرة.
وذكر عبيد الله بن أحمد السّمسار وغيره أنّ أبا جعفر بن جرير قال لأصحابه : هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا؟
قالوا : كم قدره؟
فذكر نحو ثلاثين ألف ورقة. قالوا : هذا ممّا تفنى الأعمار قبل تمامه.
فقال : إنّا لله ، ماتت الهمم. فأملاه في نحو ثلاثة آلاف ورقة (٢).
ولما أراد أن يملي التفسير قال لهم كذلك ، ثم أملاه بنحو من التاريخ.
قال الفرغانيّ : وحدّثني هارون بن عبد العزيز قال : قال لي أبو جعفر الطّبريّ : أظهرت مذهب الشّافعيّ واقتديت به ببغداد عشر سنين ، وتلقّاه منّي ابن بشّار الأحول شيخ ابن سريج.
قال الفرغانيّ : فلما اتّسع علمه أدّاه بحثه واجتهاده إلى ما اختاره في كتبه. وكتب إليّ المراغيّ أنّ الخاقانيّ لما تقلّد الوزارة وجّه إلى المرّيّ بمال كثير ، فأبى أن يقبله ، فعرض عليه القضاء فامتنع ، فعاتبه أصحابه وقالوا : لك في هذا ثواب ، وتحيي سنّة قد درست.
وطمعوا في أن يقبل ولاية المظالم ، فانتهرهم وقال : قد كنت أظنّ أنّي لو رغبت في ذلك لنهيتموني عنه.
وقال محمد بن عليّ بن سهل الإمام : سمعت محمد بن جرير وهو يكلّم.
__________________
(١) تاريخ بغداد ٢ / ١٦٤ ، معجم الأدباء ١٨ / ٤٣.
(٢) تاريخ بغداد ٢ / ١٦٣ ، المنتظم ٦ / ١٧١ ، معجم الأدباء ١٨ / ٤٢.
![تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام [ ج ٢٣ ] تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3501_tarikh-alislam-23%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
