والجواب : أما إنكار صدق المقدمة الكبرى فقد أوضحنا بطلانه. وأما قولهم : إنه يستحيل أن يكون من جنس كلام البشر وإلا كان مشاركا له في العرضية والإمكان فقد سبق الجواب عنه بما فيه كفاية ، تغنى عن إعادته. وليس مرادنا من إطلاق لفظ الكلام غير المعنى القائم بالنفس ، وهو ما يجده الإنسان من نفسه عند قوله لعبده : ايتني بطعام أو اسقني بماء. وكذا في سائر أقسام الكلام. وهذه المعاني هي التي يدل عليها بالعبارات وينبه عليها بالإشارات ، وإنكار تسميته أو كونه كلاما مما لا يستقيم نظرا إلى الإطلاق الوضعي ، فإنه يصح أن يقال : في نفسي كلام ، وفي نفس فلان كلام ، ومنه قوله تعالى : (وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ) [المجادلة : ٨] ومنه قول الشاعر :
|
إن الكلام لفي الفؤاد ، وإنما |
|
جعل اللسان على الفؤاد دليلا |
وهذا الإطلاق والاشتهار دليل صحة إطلاق الكلام على ما في النفس. ولا نظر إلى كونه أصليا فيه أو فيما يدل عليه من العبارات أو فيهما ، كيف وإن حاصل هذا النزاع ليس إلا في قضية ، لغوية وإطلاقات لفظية ، ولا حرج منها بعد فهم المعنى.
ثم لا سبيل إلى تفسير ذلك المعنى بالإرادة ، ولنفرض الكلام في الأمر فإنها إما أن تكون الإرادة للامتثال ، أو لإحداث الصيغة ، أو لجعلها دالة على الأمر على ما هو مذهبهم : لا سبيل إلى القول بالأول. فإنه قد يؤمر بما ليس بمراد أن يمتثل وذلك كما في تكليف أبي جهل بالإيمان مع عدم إرادة وقوعه منه ، بل كما في حالة السيد المتوعد من جهة السلطان على ضرب عبده ، إذا اعتذر إليه بأنه يخالف أمره ، وأمره بين يدي السلطان طالبا بسط عدوه. وهربا من عذاب السلطان له ، فإنا نعلم أنه لا يريد الامتثال من العبد لما يلزمه من المحذور المتوقع من السلطان ، ومع ذلك فإنه ـ في نظر أهل العرف والوضع ـ آمر ، ويعد العبد بالامتثال مطيعا ، وبالإعراض عاصيا ، وبهذا يندفع قول القائل إنه متوهم بالأمر وليس بأمر.
