بوجوب الإمهال عند الاستمهال ، ولا محيص لهم عنه ، فأما على رأي أهل الحق فلا ، وأنى يجب ذلك على من ظهر صدقه في مقالته ، بالدلالات الواضحة ، والمعجزات اللائحة ، لا سيما وهو متصد للدعوة الشامخة ، والكلمة الباذخة ، وما فيها من صلاح نظام الخلق ، والإرشاد إلى السبيل الحق ، الذي به يكون معاشهم في الدنيا ، وحصول سعادتهم في الأخرى؟! وإنما ذلك مبني على فاسد أصول الخصوم في التحسين والتقبيح ، وقد أبطلناه ، بل ولو وقع الإلزام على أصلهم بقبح التأخر والإمهال في النظر ؛ حيث لم يرشدهم إلى المصالح ، ويحذرهم من المهالك ، ويعرفهم طريق السعادة ليسلكوها ، ومفاوز المخافة ليرهبوها ، بعد ما ظهر صدقه واتضحت كلمته بالمعجزات القاطعة ، والبراهين الساطعة ، لم يجدوا إلى دفع ذلك سبيلا.
كيف وأن ما يجب النظر لأجله فالنبي قائم بصدده ومتكفل بأوده ، من تعريف ذات الباري وصفاته ، وما يتعلق بأحكام الدنيا والأخرى؟! ولهذا إذا فحص عن أحوال الأنبياء والمرسلين وجدناهم في الدعوة إلى الله تعالى وإلى معرفة وحدانيته سابقين ، ولذلك على دعوى النبوة مقدمين.
وعند ذلك فليس طلب الإمهال مع ما ظهر من صدق الرسول ودعوته إلى ما فيه صلاح نظام المدعو ، مع إمكان وقوع الهلكة على تقدير التأخر ، إلا كما لو قال الوالد لولده مع ما عرف من شفقته ، وحنوه ورأفته : إن بين يديك في هذا الطريق سبعا أو مهلكة ، وإياك وسلوكه ، وكان ذلك في نفسه ممكنا ، فقال الولد : لا أمتنع من ذلك ما لم أعرف السبع أو المهلكة ، لقد كان ذلك منه في نظر أهل المعرفة يعد مستقبحا ، ومخالفا للواجب ، ولو لم ينته فهلك كان ملوما مذموما غير معذور.
وأما ما ذكروه من قبح البعثة إلى من علم الله أنه لا يؤمن فهو أيضا مبني على أصلهم في التكليف بما لا يطاق ، والقبح والحسن ، وقد أفسدناه.
ثم يلزم الصابئة الملتزمين لتصديق شيث وإدريس ، ومن التزم من البراهمة
