والجواب للذين آمنوا أي بالله وآياته ولقائه ورسوله وبكل ما جاء به والذين على ربهم لا على سواه يتوكلون ثقة فى كفايته واعتمادا عليه ، (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ) أى يتركون (كَبائِرَ (١) الْإِثْمِ) كالشرك والقتل والظلم وشرب الخمر وأكل الحرام والفواحش كالزنى واللواط. والذين إذا غضبوا (٢) يتجاوزون عمن أغضبهم ويغفرون له زلته أو إساءته إليهم (وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا) (٣) (لِرَبِّهِمْ) عند ما ناداهم ودعاهم لكل ما طلبه منهم ، والذين (أَقامُوا الصَّلاةَ) فأدوها على وجهها المطلوب لها من خشوع مراعين شرائطها واركانها وواجباتها وسننها وآدابها ، والذين (أَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ) أى أمرهم الذى يهمهم في حياتهم أفرادا وجماعات وأمما وشعوبا يجتمعون عليه ويتشاورون (٤) فيه ويأخذون بما يلهمهم ربهم بوجه الصواب فيه. والذين مما رزقهم الله من مال وعلم وجاه وصحة بدن ينفقون شكرا لله على ما رزقهم واستزاده للثواب يوم الحساب. (وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ) أى إذا بغي عليهم البغاه الظلمة من الكافرين ينتصرون لأنفسهم إعذارا لها وإكراما لأنها انفس الله وليها فالعزة واجبة لها. هذه عشر صفات متى اتصف بها العبد لا يضره شىء لو عاش الدهر كله فقيرا نقيّا محروما من لذيذ الطعام والشراب ومن جميل اللباس ، والسكن والمركب إذ ما عند الله تعالى. له خير وأبقى مع العلم أن أهل تلك الصفات سوف لا يحرمون من طيبات الحياة الدنيا بل هم أولى بها من غيرهم إلا أنها ليست شيئا يذكر إلى جانب ما عند الله يوم يلقونه ويعيشون فى جواره.
وقوله تعالى : (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) هذا هو الحكم الشرعى جزاء المسيء العقوبة بما أوجب الله تعالى له فى كتابه أو على لسان رسوله صلىاللهعليهوسلم. وقوله تعالى فمن عفا عمن أساء إليه ، واصلح ما بينه وبينه فعادت المودة وعاد الإخاء فأجره على الله وهو خير له وابقى من شفاء صدره بعقوبة اخيه الذى أساء إليه. وقوله تعالى (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) تعليل لعظم الأجر لمن عفا أي كونه تعالى لا يحب الظالمين ضاعف الأجر وأجزل المثوبة للمظلوم إذا عفا وأصلح. وقوله : (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ (٥) سَبِيلٍ) أي وللذى ظلم فانتصر لنفسه وردّ الظلم عنها فهؤلاء لا سبيل لكم إلى أذيتهم وعقوبتهم. هذا حكم الله وشرعه.
__________________
(١) روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الفواحش الزنا وأن كبير الاثم الشرك وهو كذلك.
(٢) (وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) أي يتجاوزون ويحلمون عمن ظلمهم ، قيل نزلت في عمر حين شتم بمكة وقيل في أبي بكر حين لامه الناس على إنفاقه ماله كله وحين شتم فحلم.
(٣) قال ابن زيد : هم الأنصار بالمدينة استجابوا إلى الإيمان بالرسول صلىاللهعليهوسلم حين أنفذ اليهم اثنى عشر نقيبا منهم قبل الهجرة.
(٤) قال ابن العربي : الشورى ألفة للجماعة ومسبار للعقول وسبب إلى الصواب وما تشاور قوم قط إلا هدوا وفي الحديث ما خاب من استخار ولا ندم من استشار وما عال من اقتصد. والشورى والمشورة بمعنى واحد.
(٥) لقد مدح الله تعالى المنتصر من الظلم ومدح العفو عن الجرم ، فالانتصار يكون من الظالم المعلن الفجور الوقح في الجمهور المؤذي للصغير والكبير فهذا الانتقام منه أفضل والعفو يكون فى الفلتة ، وفيمن يعترف بالزلة ويطلب العفو.
![أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير [ ج ٤ ] أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3467_aysar-altafasir-04%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
