وأصبحوا خارجين مع موسى في طريقهم إلى القدس ، وتم إنجاؤهم واغراق فرعون ولما نزلوا بالساحل استعجل موسى موعد ربه وتركهم تحت إمرة هارون أخيه على أن يواصلوا سيرهم وراء موسى إلى جبل الطور غير أن موسى الملقب بالسامري استغل الفرصة وقال لنساء بني إسرائيل هذا الحلى الذي عند كن لا يحل لكنّ أخذه إذ هي ودائع كيف تستحلونها وحفر لهم حفرة وقال ألقوها فيها وأوقد فيها النهار لتحترق ولا ينتفع بها بعد ، هذا ما دل عليه قولهم (وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ) أي قوم فرعون فقذفناها أي في الحفرة التي أمر بها السامري وقوله تعالى (فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُ) (١) هو من جملة قول بني إسرائيل لموسى فكما ألقينا الحلي في الحفرة القى السامري ما معه من التراب الذي أخذه من تحت حافر فرس جبريل ، فصنع السامري العجل فأخرجه لهم عجلا جسدا (٢) له خوار أي صوت فقال بعضهم لبعض هذا إلهكم وإله موسى الذي ذهب إلى موعده فنسي (٣) وضل الطريق إليه فاعبدوه حتى يأتي موسى. قال تعالى موبخا إياهم (أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً) إذا كلموه ، (وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً) فكيف يعقلون أنه إله وهو لا يجيبهم إذا سألوه ، ولا يعطيهم إذا طلبوه ، ولا ينصرهم إذا استنصروه ولكنه الجهل والضلال واتباع الهوى. والعياذ بالله تعالى.
هداية الآيات
١ ـ ذم العجلة وبيان آثارها الضّارة فاستعجال موسى الموعد وتركه قومه وراءه كان سببا في أمر عظيم وهو عبادة العجل وما تترب عليها من آثار جسام.
٢ ـ مشروعية طلب رضا الله تعالى ولكن بما يحب أن يتقرب به إليه.
٣ ـ مشروعية الغضب لله تعالى والحزن على ترك عبادته بمخالفة أمره ونهيه.
٤ ـ مشروعية استعارة الحلي للنساء والزينة ، وحرمة جحدها وأخذها بالباطل.
٥ ـ وجوب استعمال العقل واستخدام الفكر للتمييز بين الحق والباطل ، والخير والشر.
__________________
(١) أي : فمثل قذفنا الزينة في النار لصوغها قذف السامري ، وقالوا هذا اعتذارا منهم لموسى عليهالسلام.
(٢) الجسد : الجسم ذو الأعضاء وسواء كان حيا أو ميتا ، والتعبير بأخرج الإشارة إلى أنّ السامري صنع العجل بحيلة مستورة خفية حتى أتمّه ثمّ أظهره أي : أخرجه ظاهرا لنا.
(٣) إطلاق النسيان على الضلال والغفلة والترك شائع وسائغ في اللغة.
![أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير [ ج ٣ ] أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3466_aysar-altafasir-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
