معنى الآيات :
يدل السياق على أن عرضا من المشركين كان لبعض المؤمنين لأن يعبدوا معهم آلهتهم فأمر الله تعالى رسوله أن يرد عليهم عرضهم الرخيص منكرا عليهم ذلك أشد الإنكار (قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ) ، الاستفهام للإنكار ، (ما لا يَنْفَعُنا) إن عبدناه ، (وَلا يَضُرُّنا) إن تركنا عبادته وبذلك نصبح وقد رددنا على أعقابنا (١) من التوحيد إلى الشرك بعد إذ هدانا الله إلى الإيمان به ومعرفته ومعرفة دينه ، فيكون حالنا كحال من أضلته الشياطين في الصحراء فتاه فيها فلا يدرى أين يذهب ولا أين يجيىء ، و (لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا) وهو لا يقدر على إجابتهم ولا الاتيان إليهم لشدة ما فعل استهواء (٢) الشياطين في عقله. ثم أمره أن يقول أيضا قل إن الهدى الحق الذي لا ضلال ولا خسران فيه هدى الله الذي هدانا إليه ألا إنه الإسلام ، وقد أمرنا ربنا أن نسلم (٣) له قلوبنا ووجوهنا لأنه رب العالمين فأسلمنا ، كما أمرنا أن نقيم الصلاة فأقمناها وأن نتقيه فاتقيناه وأعلمنا أنا سنحشر إليه يوم القيامة فصدقناه في ذلك ثم هدانا فلن نرجع بعد إلى الضلالة. هذا ما تضمنته الآيتان الأولى والثانية أما الثالثة (٧٣) فقد تضمنت تمجيد الرب بذكر مظاهر قدرته وعلمه وعدله فقال تعالى : (وَهُوَ) أي الله رب العالمين الذي أمرنا أن نسلم له فأسلمنا (الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِ) (٤) فلم يخلقهما عبثا وباطلا بل خلقهما ليذكر فيهما ويشكر ، ويوم يقول لما أراد إيجاده أو إعدامه أو تبديله كن فهو يكون كما أراد في قوله الحق دائما (وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ (٥) يُنْفَخُ فِي الصُّورِ) (٦) نفخة الفناء فلا يبقى شيء إلا هو الواحد القهار فيقول جل ذكره (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) فلا
__________________
(١) أي نرجع من الهدي إلى الضلال. والأعقاب جمع عقب وهي مؤنثه فتصغر على عقبيه. ويقال رجع على عقبيه إذا أدبر وأصابه من العاقبة والعقبى من ذلك عقب الرجل ومنه العقوبة لأنها تالية للترتيب وتكون نسبية.
(٢) استهوته بمعنى استغوته وزينت له هواه ودعته إليه فهو إذا من هوى يهوى من هوى النفس وليس هو يهوي إلى الشيء إذا أسرع إليه والحيران هو الذي لا يهتدي لجهله.
(٣) الآية وأمرنا لنسلم ومعناها أمرنا بأن نسلم تقول العرب أمرتك لتذهب وبأن تذهب بمعنى واحد واللامات أربع : لام الجر ، لام الابتداء ، لام التوكيد ، ولام الأمر.
(٤) قال القرطبي : ومعنى (بِالْحَقِ) أي بكلمة الحق يعني قوله (كُنْ) وهو كما قال إلا أن القول أن بالحق بمعنى بحكمة أي لم يخلقها لهوا أو لعبا هذا أوضح وأهم كما هو في التفسير.
(٥) من أخطاء الناس قول من قال الصور جمع صورة ومعناه ينفخ في الصور فتتم الحياة وهذا يتنافى مع الأحاديث الصحاح ومع سياق الآية. إذ قال ثم نفخ فيه أخرى أي مرة أخرى ولم يقل فيها أي في الصور فأين معنى الصورة هنا؟
(٦) الصور القرن والنافخ فيه إسرافيل عليهالسلام والمراد بالنفخة هنا نفخة الفناء والنفخة التالية لها نفخة البعث وهناك نفخة الصعقة وهم في ساحة القضاء ونفخة رابعة وهي التي يقومون فيها لفصل القضاء.
![أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير [ ج ٢ ] أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3465_aysar-altafasir-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
