سلهم قائلا : (لِمَنْ (١) ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) خلقا وإيجادا أو ملكا وتصرفا وتدبيرا ، واسبقهم إلى الجواب فقل لله ، إذ ليس لهم من جواب إلا هذا : (لِلَّهِ) ، أي هو الله الذي (كَتَبَ (٢) عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) قضى بها وأوجبها على نفسه ، ومظاهرها متجلية في الناس : إنهم يكفرونه ويعصونه وهو يطعمهم ويسقيهم ويكلؤهم ويحفظهم ، وما حمدوه قط. ومن مظاهر رحمته جمعه الناس ليوم القيامة ليحاسبهم ويجزيهم بعملهم الحسنة بعشر أمثالها أما السيئة فبسيئة مثلها فقط وهو ما دل عليه قوله : (لَيَجْمَعَنَّكُمْ (٣) إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ) أى الكائن الآتى بلا ريب ولا شك ، وقوله تعالى : (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) يخبر تعالى أنّ الذين كتب خسرانهم أزلا في كتاب المقادير فهم لذلك لا يؤمنون وما كتب أزلا لعلم تام بموقفهم هذا الذي هم وافقوه من الكفر والعناد والشرك والشر والفساد ، بذلك استوجبوا الخسران هذا ما دلت عليه الآية الأولى (١٢) أما الآية الثانية (١٣) (وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ) وهذا تقرير بأنه رب كل شيء والمالك لكل شيء إذ ما هناك إلا ساكن ومتحرك وهو رب الجميع ، وهو السميع لأحوال عباده وسائر مخلوقاته العليم بأفعالهم الظاهرة والباطنة ولذا لا يسأل عما يفعل ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ومن هنا وجب اللجأ إليه والتوكل عليه ، والانقياد لأمره ونهيه. وقوله تعالى في الآية الثالثة (١٤) (قُلْ أَغَيْرَ (٤) اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ) يأمر تعالى رسوله أن يرد على المشركين المطالبين منه أن يوافقهم على شركهم ويعبد معهم آلهتهم فيقول : أفغير الله فاطر السموات والأرض الذي يطعم غيره لافتقاره إليه ، ولا يطعم (٥) لغناه المطلق أغيره تعالى أتخذ وليا أعبده كما اتخذتم أنتم أيها المشركون أولياء تعبدونهم. إن هذا لن يكون أبدا كما أمره ربه تعالى أن يقول في صراحة ووضوح ، (إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ) أي وجهه لله ، وأقبل عليه يعبده
__________________
(١) هذا حجاج مع المشركين آخر : قل لهم لمن ما في السموات والأرض؟ فإن قالوا : لمن هو؟ قل : لله ، ولكن لا يقولون إلّا الله ، لمعرفتهم أنّ غير الله لا يخلق ولا يرزق ولا يملك.
(٢) ولذا لم يعاجلهم بالعقوبة التي يقتضيها كفرهم وعنادهم ، روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : «إنّ الله لمّا خلق الخلق كتب كتابا عنده فوق العرش ان رحمتي تغلب غضبي».
(٣) اللّام : للقسم أي : وعزتي وجلالي ليجمعنكم في يوم القيامة الذي كذّبتم به وهو لا شك فيه.
(٤) الإستفهام إنكاري وقدم المفعول الأوّل : (أَغَيْرَ اللهِ) لأنّه هو المقصود بالإنكار.
(٥) أي يرزق ولا يرزق كقوله تعالى : (ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) وقرأ مجاهد وسعيد بن جبير (وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ) بفتح العين أي إنّه يطعم عباده بالرزق وهو لا يطعم لاستحالة احتياجه إلى الغذاء كما يحتاجه المخلوقون من عباده.
![أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير [ ج ٢ ] أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3465_aysar-altafasir-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
