ولمّا كان الصراط المستقيم ـ الذي لا يكمل التوحيد إلّا بالاستقامة عليه ـ أدقّ من الشعر وأحدّ من السيف ـ مثل الصراط الموصوف في الآخرة ـ فلا ينفكّ بشر عن ميل عن الاستقامة ولو في أمر يسير ، ولا يخلو عن اتّباع الهوى ولو في فعل قليل ؛ وذلك قادح في كمال التوحيد بقدر ميله عن الصراط المستقيم ، فذلك يقتضي لا محالة نقصانا في درجة القرب ، ومع كلّ نقصان ناران : نار الفراق لذلك الكمال الفائت بالنقصان ، ونار جهنّم كما وصفها القرآن.
فيكون كلّ مائل عن الصراط المستقيم معذّبا مرّتين من وجهين ، ولكن شدّة ذلك العذاب وخفّته وتفاوته بحسب طول المدّة إنّما يكون بسبب أمرين : أحدهما قوّة الإيمان وضعفه ، والثاني كثرة اتّباع الهوى وقلّته ؛ إذ لا يخلو بشر في غالب الأمر عن واحد من الأمرين. قال الله ـ تعالى ـ : (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا* ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا) [١٩ / ٧١ ـ ٧٢].
ولذلك قال الخائفون (١) : «إنّما خوفنا لأنّا تيقّنا أنّا على النار واردون ، وشككنا في النجاة».
واعلم أنّ في الأخبار ما يدلّ على أنّ «آخر من يخرج من
__________________
(١) ـ قال الزبيدي (إتحاف السادة : ٨ / ٥٥) : «أخرج أحمد في الزهد عن بكر بن عبد الله المزني : لمّا نزلت هذه الآية (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها) ذهب عبد الله بن أبي رواحة إلى بيته فبكى وبكى أهل بيته ببكائه فسئل عن بكائه ، قال : انزلت على رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم آية نبّأني فيها ربّي أنّي وارد على النار ، ولم ينبئني أنّي صادر عنها ، فذلك أبكاني».
![علم اليقين في أصول الدين [ ج ٢ ] علم اليقين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3444_ilm-alyaqin-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)