الحسّية ـ كالفسوق والمظالم ـ والأخلاق المذمومة ـ كالحرص والحسد ـ إلى غير ذلك ، فإنّها بعينها تصير حيّات وعقارب محسوسة ـ كما دريت في اللذات الحسّية ـ فإنّ هذه الهيئات الانقهاريّة قبيحة مؤلمة لجوهر النفس ، مضادّة لحقيقتها ، لأنّ حقيقتها تستدعي أن تكون لها هيئة استعلائيّة قهريّة على البدن وقواه الشهويّة والغضبيّة ، فإذا انقهرت عنها وانقادت وخدمت إيّاها في تحصيل مآربها الدنيّة كان ذلك موجب شقاوتها وتألّمها وحسرتها.
إلّا أنّ إقبالها على البدن وشواغله ينسيها عن أمر عاقبتها ، وسكر الطبيعة يشغلها عن الإحساس بفضيحتها ؛ فإذا زال العائق وارتفع الحجاب وكشف الغطاء بموت البدن تصوّرت تلك الهيئات بالصور القبيحة المؤلمة التي تناسبها في تلك النشأة ، كما قال الله ـ عزوجل ـ : (سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ) [٣ / ١٨٠](يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) [٩ / ٣٥].
ولكن لمّا كانت هذه الهيئات غريبة عن جوهر النفس وكذا ما يلزمها ، فلا يبعد أن تزول في مدّة من الدهر متفاوتة حسب تفاوت العوائق في رسوخها وضعفها وكثرتها وقلّتها ـ إن شاء الله ـ «فيخرج من النار من في قلبه مثقال ذرّة من الإيمان» (١) (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ* خَيْراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) [٩٩ / ٧ ـ ٨](إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) [٤ / ١١٦].
__________________
(١) ـ راجع ما سيجيء في الفصل السادس من هذا الباب.
![علم اليقين في أصول الدين [ ج ٢ ] علم اليقين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3444_ilm-alyaqin-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)