والكاسبين لأنفسهم شوقا إلى الكمالات العقليّة في الدنيا ، ثمّ التاركين الجهد في كسبها ؛ ففقدت منهم القوّة الهيولانيّة ، وحصلت لهم فعليّة الشيطنة والاعوجاج ، ورسخت في أوهامهم العقائد الباطلة ؛ دون الناقصين بحسب الغريزة عن إدراك المراتب العالية ، فإنّ شقاوة هؤلاء غير مؤلمة لعدم معرفتهم بالكمال ولا شوقهم إليه ، فهي بمنزلة الموت أو الزمانة في الأعضاء من غير شعور بمؤلم.
وكلاهما مشتركان في عدم الانجبار في الآخرة ، إلّا أنّ البلاهة أدنى إلى الخلاص من فطانة بتراء.
فعذاب الناقصين بالذوات عظيم ـ من دون ألم ـ وإلى أمثالهم الإشارة بقوله ـ عزوجل ـ : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) [٢ / ٦ ـ ٧].
وعذاب الجاحدين والمنافقين أليم ، وإليهم الإشارة بقوله ـ تعالى ـ : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ* يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ* فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ) [٢ / ٩ ـ ١١]. وهذا الألم العقلي ـ الكائن عن المضادّات للحقّ ـ هو بإزاء اللذّة والراحة الكائنة عن مقابلاتها ، وكما أنّ تلك أجلّ من كلّ إحساس بأمر ملائم ، فكذلك هذه أشدّ من كلّ إحساس بمنافر حسّيّ ، من تفريق اتّصال بالنار ، أو تجميد بالزمهرير ، أو قطع بالمناشير ، أو سقطة من شاهق ـ أو نحو ذلك ـ أعاذنا الله واخواننا منه بمنّه.
وأمّا الألم الحسّي : فهو لمن غلبت عليه الهيئات البدنيّة من المعاصي
![علم اليقين في أصول الدين [ ج ٢ ] علم اليقين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3444_ilm-alyaqin-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)