وَلا يُنْزِفُونَ* وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ* وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ* وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ* جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) [٥٦ / ١٥ ـ ٢٤].
وهذا يدلّ على أنّ ذلك جزاء أعمالهم دون علومهم واعتقاداتهم ؛ ويشبه أن لا يكون لهم كثير التذاذ بها ولا التفات ، كما يشعر به قوله ـ عزوجل ـ : (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ) لأنّ قرّة عيونهم إنّما هي في الجنّة العالية.
* * *
قال بعض المحقّقين (١) :
وإنّما يحصل ذلك كلّه بإبداع النفس تلك الصور الملذّة في عالمها وصقعها الخاصّ بها ، فإنّ للنفس اقتدارا على ذلك ، ولكنّها ما دامت في هذه النشأة لا تترتّب عليها آثارها ، لضعفها واشتغالها بالمحسوسات وانهماكها فيها ، إلّا لأصحاب الكرامات خاصّة من الأولياء. وأمّا في الآخرة : فيكون ذلك لعامّة الناس ، إلّا أنّ السعداء ـ لصفاء طويّتهم وعدالة أخلاقهم ـ تكون قرناؤهم الصور الحسان واللؤلؤ والمرجان ؛ والأشقياء ـ لخبث عقائدهم ورداءة أخلاقهم واعوجاج عاداتهم ـ يكون جليسهم الجحيم والزقّوم والعقارب والحيّات ؛ إذ كما أنّ الأعمال مستتبعة للملكات في الدنيا بوجه ، فالملكات مستتبعة للأعمال في الآخرة بوجه. وهذا معنى قول النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم (٢) : «إنّ الجنّة قاع صفصف فأكثروا من غراس الجنّة» ـ الحديث ـ
__________________
(١) ـ مقتبس مما جاء في تفسير سورة الواقعة لصدر المتألهين : ٧ / ٣٤ ـ ٣٦.
(٢) ـ في الترمذي (كتاب الدعوات ، الباب ٥٩ ، ٥ / ٥١٠ ، ح ٣٤٦٢) : «إنّ الجنّة طيّبة التربة عذبة الماء ، وأنّها قيعان ، وأنّ غراسها : سبحان الله والحمد لله ولا إله الله والله أكبر».
![علم اليقين في أصول الدين [ ج ٢ ] علم اليقين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3444_ilm-alyaqin-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)