وتفاضلها إمّا بالنوع ، أو الكمّ ، أو الكيف ؛ فإنّ كلّ نوع من الأنواع الموجودة في هذا العالم يوجد هناك على وجه عقليّ وجودا قويّا أو ضعيفا ، كما يوجد هاهنا صناعات مختلفة في نفس واحدة منّا متفاضلة في النوع أو القوّة والضعف ، أو الكثرة والقلّة ـ (وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) [٦ / ١٣٢] ـ.
قيل : ولمّا جاز اجتماع النفوس هناك ـ ولو بلغت إلى لا نهاية ـ لعدم تضايق بعضها عن بعض ، فكلّما كثرت الأرواح المفارقة عن الأبدان المتعارفة المؤتلفة واتّصل بعضها ببعض ـ اتّصال معقول بمعقول ـ كان التذاذ كلّ واحد منها بالآخر أشدّ ، وكلّما لحق بهم من بعدهم زاد التذاذ من لحق بمصادفة الماضين ، وزادت لذّات الماضين بمصادفة اللاحقين ؛ كما قال الله ـ عزوجل ـ : (وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) [٣ / ١٧٠].
وأمّا اللذّة الحسّيّة : فكالالتذاذ بالطعام والشراب والنكاح والأصوات الطيّبة والنغمات الرخيمة ؛ وهي لذّة المتوسّطين من أصحاب اليمين ، كما قال الله ـ عزوجل ـ : (فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ* وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ* وَظِلٍّ مَمْدُودٍ* وَماءٍ مَسْكُوبٍ* وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ* لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ* وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ* إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً* فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً* عُرُباً أَتْراباً* لِأَصْحابِ الْيَمِينِ* ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ* وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ) [٥٦ / ٢٨ ـ ٤٠].
وقد تكون أنواع منها للسابقين المقرّبين ، كما قال ـ عزوجل ـ : (عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ* مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ* يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ* بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ* لا يُصَدَّعُونَ عَنْها
![علم اليقين في أصول الدين [ ج ٢ ] علم اليقين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3444_ilm-alyaqin-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)