على أنّ كلتيهما مدركتان للنفس ، إحداهما بواسطة الآلات الجسدانيّة ، والاخرى بذاتها (١).
ومن هنا صحّ أن يقال (٢) : «إنّ الدنيا والآخرة حالتان للنفس». وأن يقال : «إنّ النشأة الثانية عبارة عن خروج النفس عن غبار هذه الهيئة البدنية» ؛ فمن قبل أن تخرج عن البدن لا ترى تلك الصورة إلّا مشاهدة ضعيفة ـ وذاك أيضا لبعض الناس ـ وإذا تجرّدت وارتفعت الشواغل وقوي العزيمة وانحصرت القوى كلّها في قوّة واحدة ـ وهي المتخيّلة على ما حقّقناه فيما قبل (٣) ـ وتصير هي عينا باصرة وقوّة فعّالة : ينقلب العلم مشاهدة ، والمسموع مشافهة.
وقد تبيّن أنّ أهل كل نشأة إنّما يدرك الموجودات التي فيها على سبيل المشاهدة ، والتي في غيرها على سبيل الحكاية ؛ فشهادة كلّ نشأة غيب في اخرى ، وعيانها علم وخبر في غيرها ، «والناس نيام ، فإذا ماتوا انتبهوا» (٤).
فالصور الدنياويّة بالنسبة إلى الاخراويّة كالصور المناميّة إلى الانتباهيّة.
__________________
(١) ـ مقتبس من مفاتيح الغيب : المفتاح الثامن عشر ، المشهد الخامس : ٦٠٧.
(٢) ـ نفس المصدر : ٦٠٩.
(٣) ـ في هامش النسخة :
«قال في الفتوحات : الاحتضار حال استشراف على حضرة الخيال الصحيح ، الذي لا يدخله ريب ؛ ما هو الخيال الذي هو قوّة في الإنسان في مقدّم الدماغ ؛ بل هو خيال من خارج ، كجبرئيل في صورة دحية ؛ وهو حضرة مستقلّة وجوديّة صحيحة ، ذات صور جسديّة ، تلبسها المعاني والأرواح».
(٤) ـ مضى في الصفحة : ١٠٣٧.
![علم اليقين في أصول الدين [ ج ٢ ] علم اليقين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3444_ilm-alyaqin-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)