الدنيا ؛ فيبدو له حينئذ ، كما قال الله ـ عزوجل ـ : (وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) [٣٩ / ٤٧]. فلا ينظر إلى اعتقاد باطل أو سيّئة إلّا ويتحسّر عليها ، تحسّرا يودّ أن يخوض غمرة النار للخلاص منه ، وتشتعل فيه نيران الفراق ـ أعني فراق ما كان يطمئنّ إليه من هذه الدنيا الفانية ، من مال أو جاه أو عقار ، حتّى قميص كان يلبسه مثلا ويفرح به ؛ دون ما أراد منها لأجل الزاد والبلغة ، فإنّ ذلك يفرح بمفارقته لبلوغه المقصد ـ.
فإن لم يكن فرحه إلّا بذكر الله ولم يأنس إلّا به ، عظم نعيمه وتمّت سعادته ، إذ خلّي بينه وبين محبوبه ، وقطعت عنه العوائق والشواغل ، والعبرة بما يغلب على قلبه عند السكرات وظهور الأهوال من الخواطر ؛ فهو لا يزال على ذلك الخاطر ، فإنّ المرء يموت على ما عاش عليه. ولهذا ورد في الحديث (١) : «لا يموتنّ أحدكم إلّا وهو يحسن الظنّ بالله ، فإنّ حسن الظنّ بالله ثمن الجنّة».
وإن كان العمدة ما رسخ في قلبه من الصفات والهيئات في مدّة العمر ، فإنّ هذا يرجع إلى ذاك غالبا ـ والله الموفّق للخيرات والباقيات الصالحات ـ.
__________________
(١) ـ في أمالي الطوسي : المجلس الثالث عشر ، ح ٦٥ ، ٣٧٩ : «لا يموتنّ أحدكم حتّى يحسن ظنّه بالله ...». عنه البحار : ٨١ / ٢٣٥ ، ح ١٢. ومثله في كنز العمال : ٣ / ١٣٧ ، ح ٥٨٦١. وجاء في مسلم (تاب الجنة وصفة نعيمها ، باب (١٩) الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت ، ح ٨١ ، ٤ / ٢٢٠٥) : «لا يموتنّ أحدكم إلا وهو يحسن بالله الظنّ» ومثله في المسند : ٣ / ٢٩٣. وفيه مع فرق يسير : ٣ / ٣١٥ و ٣٢٥ و ٣٣٠ و ٣٣٤ و ٣٩٠. وابن ماجة : كتاب الزهد ، باب (١٤) التوكل واليقين ، ح ٤١٦٧ ، ٢ / ١٣٩٥. قال الزبيدي (إتحاف السادة : ٩ / ١٦٩) : «ورواه كذلك الطيالسي وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود وابن ماجة وابن حبان ...».
![علم اليقين في أصول الدين [ ج ٢ ] علم اليقين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3444_ilm-alyaqin-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)