فجذبه إنسان شديد البطش ذو قوّة ، فقطع ما قطع ، وأبقى ما أبقى (١).
وعند ذلك يرشح جبينه ، وتدور عيناه ، وترتفع أضلاعه ، ويعلو نفسه ، ويصفرّ لونه ، ويتقلّص لسانه إلى أصله ، ويرتفع انثياه إلى أعالى موضعهما ، وتخضرّ أنامله. ثمّ يموت كلّ عضو من أعضائه تدريجا : فتبرد أوّلا قدماه ، ثمّ فخذاه ، ولكلّ عضو سكرة بعد سكرة ، وكربة بعد كربة ، حتّى يبلغ بها إلى الحلقوم ؛ فعند ذلك ينقطع نظره عن الدنيا وأهلها ، وينكشف له ما لم يكن مكشوفا في الحياة الدنيا ـ كما ينكشف للمتيقّظ ما لم يكن مكشوفا له في النوم ـ.
و «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا» (٢).
وأوّل ما ينكشف له ما يضرّه وينفعه من علومه وإدراكاته الحقّة أو الباطلة ، وحسناته وسيّئاته. وقد كان ذلك مسطورا في كتاب مطويّ في سرّ قلبه ـ كما نصفه فيما بعد ـ وكان يشغله عن الاطلاع عليه شواغل
__________________
(١) ـ نسبه الغزالي (الإحياء ، الباب المذكور : ٤ / ٦٧٣) إلى كعب الأحبار.
وقال الزبيدي (إتحاف السادة : ١٠ / ٢٦٣) : «هذا لفظ ابن أبي شيبة في مسنده. ورواه أبو نعيم في الحلية (٦ / ٤٤ ، ترجمة كعب الأحبار) ، فقال : ... إن عمر قال لكعب : أخبرني عن الموت؟ قال : يا أمير المؤمنين ـ هو مثل شجرة كثير الشوك في جوف ابن آدم ، وليس منه عرق ولا مفصل إلا وفيه شوك ، ورجل شديد الذراعين ، فهو يعالجها ، ينزعها ...».
(٢) ـ كلام مشهور ، وقد نسب إلى النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم.
راجع البحار : ٤ / ٤٣ و ٥٠ / ١٣٤. والإحياء : كتاب التوبة ، بيان توزّع الدرجات ، ٤ / ٣٥. أحاديث مثنوي : ٨١ (نقلا عن زهر الآداب : ١ / ٦٠).
وقال العراقي (المغني ، المطبوعة بذيل الإحياء الطبعة القديمة : ٤ / ٢٣) : «لم أجده مرفوعا ، وإنما يعزى إلى علي بن أبي طالب». وجاء في نهج البلاغة (الحكمة ٦٤) : «أهل الدنيا كركب يسار بهم وهم نيام».
![علم اليقين في أصول الدين [ ج ٢ ] علم اليقين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3444_ilm-alyaqin-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)