وقد ثبت أنّ الغنيّ بالذّات في ذاته واحد ، فجميع الكمالات ينتهي إليه. فله ـ سبحانه ـ من كلّ متقابلين للموجود ـ بما هو موجود ـ أشرفهما ـ على وجه يليق بجلاله ـ وكلّ متقابلين يكونان كلاهما صفة كمال للموجود ـ بما هو موجود ـ فكلاهما ثابتان له ـ عزوجل ـ على الوجه الأكمل ، كالنعوت الجلاليّة والجماليّة ، المعبّر عنهما في القرآن المجيد بقوله ـ عزّ اسمه ـ : (ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) [٥٥ / ٢٧] وذلك مثل اللطف والقهر ، والرحمة والغضب ، والرضا والسخط ـ وغير ذلك ـ ولا يكاد أن يخلوان عن اشتراك ما ؛ فإنّ تحت كلّ جمال جلالا ـ كالهيمان الحاصل من الجمال الإلهي من انقهار العقل منه وتحيّره فيه ـ وتحت كلّ جلال جمالا ـ كاللطف المستور في القهر الإلهي ؛ كما قال ـ عزوجل ـ (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ) [٢ / ١٧٩].
وقال مولانا أمير المؤمنين عليهالسلام (١) : «سبحان من اتّسعت رحمته لأوليائه ، في شدّة نقمته ، واشتدّت نقمته لأعدائه فى سعة رحمته».
ومن هنا يعلم سرّ قول نبيّنا صلىاللهعليهوآلهوسلم (٢) : «حفّت الجنّة بالمكاره وحفّت النار بالشهوات».
__________________
(١) ـ في نهج البلاغة (الخطبة : ٩٠) : «الحمد لله المعروف من غير روية ... هو الذي اشتدّت نقمته على أعدائه في سعة رحمته ، واتّسعت رحمته لأوليائه في شدّة نقمته».
(٢) ـ مسلم : كتاب الجنّة وصفة نعيمها ، الحديث الأول : ٤ / ٢١٧٤. شعب الإيمان : باب الصبر ، فصل أي الناس أشد بلاء ، ٧ / ١٤٧ ، ح ٩٧٩٥. وجاء في نهج البلاغة (الخطبة :١٧٦) : «فإنّ رسول الله ـ صلىاللهعليهوآله ـ كان يقول :» إنّ الجنة حفّت بالمكاره وإنّ النار حفّت بالشهوات». عنه البحار : ٧٠ / ٧٨.
وفي البخاري (الرقاق ، باب حجبت النار بالشهوات ، ٨ / ١٢٧) بلفظ : «حجبت النار بالشهوات ، وحجبت الجنة بالمكاره».
![علم اليقين في أصول الدين [ ج ١ ] علم اليقين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3440_ilm-alyaqin-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)