باطنهم عن تقليد وتعصّب لمذهب موروث ومسموع ، فإنّهم يؤمنون للنبيّ بميزان العلم والمعرفة والحكمة على قرب ، ولا يحتاجون إلى خوارق العادات.
وأمّا الذين ليس لهم فطنة لفهم الحقائق ، أو كان لهم ذلك ولكن ليست لهم داعية الطلب ، بل شغلهم الصناعات والحرف ، وليس فيهم ـ أيضا ـ داعية الجدل وتحذلق المتكايسين في الخوض في العلم ، مع قصور فهمهم عنه : فإنّهم يعالجون بالموعظة وإظهار المعجزات ، ثمّ يحالون على ظواهر الكتاب ، ليس لهم التجاوز عنها إلى أسراره.
والحديد لأهل الجدل والشغب ، الذين يتّبعون (ما تَشابَهَ) من الكتاب مع عدم أهليّتهم له (ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ) [٣ / ٧] فإنّهم يتلطّف بهم أوّلا ويجادل معهم بالتي هي أحسن ، بأخذ الاصول المسلّمة عندهم واستنتاج الحقّ منها بالميزان والقسط ، فإن لم ينفعهن ف (الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ) [٥٧ / ٢٥]. وإلى الثلاثة ـ أيضا ـ الإشارة بقوله ـ عزوجل ـ : (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [١٦ / ١٢٥].
أقول : قد عامل نبيّنا صلىاللهعليهوآله الناس بما امر به ، وبما يليق بحالهم ؛ فقوم أخذهم بالرفق واللين ، لصفاء قلوبهم ورقّة أفئدتهم ، فانقادوا له عاجلا ، ودخلوا في شرعه سريعا ؛ والفريق الآخر أخذهم بالسنان والحسام ، والشدّة والقتال ، حتّى أدخلهم في دينه قهرا وقادهم إليه
![علم اليقين في أصول الدين [ ج ١ ] علم اليقين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3440_ilm-alyaqin-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)