ولو لم تمسسه نار التعليم البشري ، بمقدحة الفكر وزند البحث والتكرار. فإنّ النفوس متفاوتة في درجات الحدس والاتّصال بعالم النور. فمن محتاج إلى التعلّم في جلّ المقاصد ـ بل كلّها ـ ومن غبيّ لا يفلح في فكره ولا يؤثر فيه التعليم أيضا ، حتّى خوطب النبيّ الهادي في حقّه : (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) [٢٨ / ٥٦] ولا تسمع (مَنْ فِي الْقُبُورِ) [٣٥ / ٢٢] و (لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ) [٢٧ / ٨٠ و ٣٠ / ٥٢].
وذلك لعدم وصولهم بعد إلى درجة استعداد الحياة العقليّة ؛ فلم يكن لهم سمع باطنيّ يسمع به الكلام المعنوي والحديث الربّانيّ : (لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها [وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها]) (١) وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها [٧ / ١٧٩].
ومن شديد الحدس كثيره ـ كيفا وكمّا ـ سريع الاتّصال بعالم الملكوت ، يدرك بحدسه أكثر المعلومات في زمان قليل إدراكا شريفا نوريّا سمّيت نفسا قدسيّة ، ينتهي بقوّة حدسه إلى آخر المعقولات في زمان قصير من غير تعلّم ، فيدرك امورا يقصر عن دركها غيره من الناس إلّا بتعب الفكر والرياضة في مدّة كثيرة ، فيقال له «نبيّ» ، أو «وليّ» ، وأنّ ذلك منه أعلى ضروب المعجزة والكرامة ، وهو من الممكنات الأقليّة ، وبينهما مراتب ودرجات.
وأن يكون قوّته المتخيّلة قويّة ، بحيث يشاهد في اليقظة
__________________
(١) ـ إضافة من القرآن الكريم.
![علم اليقين في أصول الدين [ ج ١ ] علم اليقين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3440_ilm-alyaqin-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)