فصل [٧]
قال بعض العلماء (١) :
اعلم أنّ أظهر الموجودات وأجلاها هو الله عزوجل (٢) ، فكان هذا يقتضي أن تكون معرفته أوّل المعارف وأسبقها إلى الأفهام ، وأسهلها على العقول ، ونرى الأمر بالضدّ من ذلك ؛ فلا بدّ من بيان السبب فيه.
وإنّما قلنا : «إنّ أظهر الموجودات وأجلاها هو الله تعالى» لمعنى لا تفهمه إلّا بمثال : وهو أنّا إذا رأينا إنسانا يكتب أو يخيط ـ مثلا ـ كان كونه حيّا من أظهر الموجودات ، فحياته وعلمه وقدرته للخياطة ، أجلى عندنا من سائر صفاته الظاهرة والباطنة ؛ إذ صفاته الباطنة ـ كشهوته وغضبه وخلقه وصحّته ومرضه ، وكلّ ذلك لا نعرفه ، وصفاته الظاهرة لا نعرف بعضها ، وبعضها نشكّ فيه ـ كمقدار طوله ، واختلاف لون بشرته ، وغير ذلك من صفاته ـ ؛ أمّا حياته وقدرته وإرادته وعلمه وكونه حيوانا ، فإنّه جليّ عندنا من غير أن يتعلّق حسّ البصر بحياته وقدرته وإرادته ، فإنّ هذه الصفات لا تحسّ بشيء من الحواسّ الخمس.
__________________
(١) ـ الغزالي : إحياء علوم الدين ، كتاب المحبّة والشوق ، بيان السبب في قصور أفهام الخلق عن معرفة الله تعالى: ٤ / ٤٦٤ ـ ٤٦٧. راجع أيضا الوافي : ٤ / ٥٩.
(٢) ـ في هامش النسخة : «لأنّ كلّ ما هو أقوى وجودا فهو أشدّ ظهورا ؛ إذ الوجود هو النور ؛ والله أقوى الموجودات لأنّ وجودات ما سواه منه وبه حصلت ، وبإشراق ذاته عليها ظهرت ـ منه».
![علم اليقين في أصول الدين [ ج ١ ] علم اليقين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3440_ilm-alyaqin-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)