فصل [١٠]
[الإنسان مجبور على الاختيار]
قد دريت أنّ كلّ ما يوجد في هذا العالم ، فقد قدّر بهيئته وزمانه في عالم آخر ـ فوق هذا العالم ـ قبل وجوده ، وقد ثبت أنّ الله ـ عزوجل ـ قادر على جميع الممكنات ، ولم يخرج شيء من الأشياء عن مصلحته وعلمه وقدرته وإيجاده ـ بواسطة أو بغير واسطة ـ وإلّا لم يصلح لمبدئيّة الكلّ.
فالهداية والضلالة ، والإيمان والكفر ، والخير والشرّ ، والنفع والضرّ ، وسائر المتقابلات كلّها منتهية إلى قدرته وتأثيره وعلمه وإرادته ومشيّته ؛ إمّا بالذات أو بالعرض.
فأعمالنا وأفعالنا كسائر الموجودات وأفاعيلها ـ بقضائه وقدره ، وهي واجبة الصدور منّا بذلك ، ولكن بتوسط أسباب وعلل من إدراكاتنا وإرادتنا وحركاتنا وسكناتنا ، وغير ذلك من الأسباب العالية الغائبة عن علمنا وتدبيرنا ، الخارجة عن قدرتنا وتأثيرنا.
فاجتماع تلك الامور ـ التي هي الأسباب والشرائط ـ مع ارتفاع الموانع علّة تامّة يجب عندها وجود ذلك الأمر المدبّر ، والمقتضي المقدّر ؛ وعند تخلّف شيء منها أو حصول مانع ، بقي وجوده في حيّز الامتناع ، ويكون ممكنا وقوعيّا بالقياس إلى كلّ واحد من الأسباب الكونيّة.
ولمّا كان من جملة الأسباب ـ وخصوصا القريبة منّا ـ إرادتنا وتفكّرنا وتخيّلنا ، وبالجملة ما نختار به أحد طرفي الفعل والترك فالفعل
![علم اليقين في أصول الدين [ ج ١ ] علم اليقين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3440_ilm-alyaqin-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)