فصل [٥]
قال بعض العارفين (١) :
«ومن هذه الحقيقة الإلهيّة التي كنّى عنها بالتردّد انبعث التردّدات الكونيّة ، والتحيّر في النفوس ، وذلك أنّا قد نتردّد في أمرنا ـ هل نفعله أم لا؟ ـ وما زلنا نتردّد حتّى يكون أحد الامور المتردّد فيها. فذلك الأمر الواقع هو الثابت في اللوح من تلك الامور ؛ وذلك أنّ القلم الكاتب في اللوح القدريّ ، يكتب أمرا ما ، وزمان الخاطر ، ثمّ يمحوه ، فيزول ذلك الخاطر ؛ لأنّ من هذا اللوح إلى النفوس رقائق ممتدّة إليها ، تحدث بحدوث الكتابة وتنقطع بمحوها ، فإذا صار الأمر ممحوّا كتب غيره ، فتمتدّ منه رقيقة إلى نفس هذا الشخص ـ الذي كتب هذا من أجله ـ فيخطر له خاطر نقيض الخاطر الاوّل ؛ وهكذا إلى أن أراد الحقّ إثباته ، فلم يمحه ؛ فيفعله الشخص أو يتركه ـ حسب ما ثبت في اللوح (٢).
والموكّل بالمحو ملك كريم ، والإملاء عليه من الصفة الإلهيّة. ولو لم يكن الأمر كذلك لكانت الامور كلّها حتما مقضيّا ـ وهذا شأن الأقلام القدريّة ـ.
__________________
(١) ـ ملخص مما جاء في الفتوحات المكيّة : الباب السادس عشر وثلاثمائة : ٣ / ٦١.
(٢) ـ كتب فى النسخة ما يلي ثم شطب عليه : «فإذا فعله وتركه وانقضى محاه الحقّ من كونه محكوما بفعله ، وأثبت صورة عمل ، قبيح أو حسن ، على قدر ما يكون ؛ ثمّ إنّ القلم يكتب أمرا آخرا ـ وهكذا إلى غير النهاية».
![علم اليقين في أصول الدين [ ج ١ ] علم اليقين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3440_ilm-alyaqin-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)