بيد أنَّ حساباتهم كانت خاسرة ، وتصوُّراتهم كانت باطلة ، إذ أتتهم الرياح بما لا يشتهون لسفنهم ، ودارت عليهم الدوائر ، وخرج الشِّيعة لمحاربتهم بشكل اقشعرت له أبدانهم ، وأهتزت لمنظره أفئدتهم.
نعم لقد اصطف الشِّيعة آنذاك ، يتقدمهم علماؤهم الأبرار مع بقايا الجيش العثماني المهلهل المنهزم ، لادراكهم بوضوح ما يشكِّله الاستعمار البريطاني من مخاطر وخيمة لا تستهدف خيرات الشعوب المسلمة فحسب قدر ما يمثِّله من خطر جدي على عموم العقيدة الاسلامية المباركة بكل أبعادها ، خلاف الدولة العثمانية التي رغم كلُّ انحرافاتها ومساوئها فانَّها يحتويها معهم رباط الاسلام المقدس ، وهذا ما اثبتت صوابه الأيام.
وهكذا فقد بدأت قوافل العلماء المجاهدين بالتوجه إلى ساحات النزال والمجالدة الشرعية ، مرتدين أكفان الشهادة بعزيمة واصرار راسخين ... مسجِّلين مآثر ازدانت بها صفحات التأريخ ، وتفاخر بها الأبناء ومن بعدهم الأحفاد ، وستبقى خالدة مدى الدهر لأسماء طُرِّزت بماء الذهب
__________________
من الفتاوى الحامدية وتنقيحها ، والممضاة من قبله ـ بكفر الشِّيعة!! ووجوب قتلهم!! بما نصه : اعلم أن هؤلاء [ أي الشَيعة ] الكفرة البغاة الفجرة!! جمعوا بين أصناف الكفر والبغي والعناد!! وأنواع الفسق والزندقة والالحاد!! ومَنْ توقَّف في كفرهم والحادهم ، ووجوب قتالهم ، وجواز قتلهم فهو كافر مثلهم!! .... إلى آخر تخريفاته وسخافاته الدالَّة على انحرافه وسقوطه.
ولا ادري بم يعتذر به يوم القيامة بين يدي الله عزّ وجلّ ، وحيث قُتل نتيجة فتواه هذه ـ التي جاءت استجابة لرغبة سلطان السؤ سليم الأؤّل ، الذي دفعه عداؤه المستحكم للشاه اسماعيل الحاكم انذاك في ايران ، والذي نصَّب نفسه حامياً للمذهِب الشَيعي ـ عشرات الالوف من رجال الشيعة ونسائها ، دون أي ذنب وأي جريرة ، إلا لأنَهم شيعة فحسب.
فقد ذُكر أنَّ السلطان سليم قتل في الأناضول وحدها أربعين ـ وقيل : تسعين ـ ألفاً من الشِّيعة ، بل وذكر أنَّ مدينة حلب ـ التي كانت عاصمة الدولة الحمدانية ، ومن مراكز تجمع الشَيّعة ـ لم يبق فيها شيعي واحد!! فتأمَّل.
