صادِقِينَ) في البعث. وهذا جهل منهم من وجهين : أحدهما : أنهم قد رأوا من الآيات ما يكفي في الدّلالة ؛ فليس لهم أن يتنطّعوا (١). والثاني : أنّ الإعادة للجزاء ؛ وذلك في الآخرة ، لا في الدنيا. ثم خوّفهم عذاب الأمم قبلهم ، فقال : (أَهُمْ خَيْرٌ) أي : أشدّ وأقوى (أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ)؟! أي : ليسوا خيرا منهم.
(١٢٥٨) روى أبو هريرة عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «ما أدري تبّعا ، نبيّ ، أو غير نبيّ».
وقالت عائشة : لا تسبّوا تبّعا فإنه كان رجلا صالحا ، ألا ترى أنّ الله تعالى ذمّ قومه ولم يذمّه. وقال وهب : أسلم تبّع ولم يسلم قومه ، فلذلك ذكر قومه ولم يذكر. وذكر بعض المفسّرين أنه كان يعبد النار ، فأسلم ودعا قومه ـ وهم حمير ـ إلى الإسلام ، فكذّبوه. فأمّا تسميته ب «تبّع» فقال أبو عبيدة : كلّ ملك من ملوك اليمن كان يسمّى : تبّعا ، لأنه يتبع صاحبه ، فموضع «تبّع» في الجاهلية موضع الخليفة في الإسلام ، وقال مقاتل : إنما سمّي تبّعا لكثرة أتباعه ، واسمه : ملكيكرب. وإنما ذكر قوم تبّع ، لأنهم كانوا أقرب في الهلاك إلى كفّار مكّة من غيرهم.
وما بعد هذا قد تقدّم (٢) إلى قوله تعالى : (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ) وهو يوم يفصل الله عزوجل بين العباد (مِيقاتُهُمْ) أي : ميعادهم (أَجْمَعِينَ) يأتيه الأوّلون والآخرون. (يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً) فيه قولان : أحدهما : لا ينفع قريب قريبا ، قاله مقاتل. وقال ابن قتيبة : لا يغني وليّ عن وليّه بالقرابة أو غيرها. والثاني : لا ينفع ابن عمّ ابن عمّه ، قاله أبو عبيدة. (وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) أي ، لا يمنعون من عذاب الله ، (إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ) وهم المؤمنون ، فإنه يشفع بعضهم في بعض.
(إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ (٥٣) كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩))
____________________________________
(١٢٥٨) صحيح. أخرجه أبو داود ٤٦٧٤ والبيهقي ٨ / ٣٢٩ من طريق عبد الرزاق ثنا معمر عن ابن أبي ذئب المقبري عن أبي هريرة. لكن بلفظ. «ما أدري أتبع لعين هو أم لا ، وما أدري أعزير نبيّ هو أم لا؟». وأخرجه الحاكم ٢ / ٤٥٠ من طريق آخر عن ابن أبي ذئب به ، بلفظ أبي داود لكن عنده «ذو القرنين» بدل «عزير». وصححه الحاكم على شرطهما ، ووافقه الذهبي ، وكذا الألباني في «الصحيحة» ٢٢١٧ على شرط البخاري فقط ، فإن في إسناده آدم بن أبي إياس لم يرو له مسلم.
__________________
(١) في «اللسان» : التّنطّع في الكلام : التعمق فيه مأخوذ منه ، وفي الحديث «هلك المتنطعون» المتعمقون المغالون في الكلام ، الذين يتكلمون بأقصى حلوقهم تكبرا.
(٢) الأنبياء : ١٦ ـ الحجر : ٨٥.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٤ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3360_zad-almasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
