بكاؤها. وقال مجاهد : ما مات مؤمن إلّا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحا ، فقيل له : أو تبكي؟ قال : وما للأرض لا تبكي على عبد كان يعمرها بالرّكوع والسجود؟! وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتسبيحه وتكبيره فيها دويّ كدويّ النّحل؟!.
والثاني : أن المراد : أهل السماء وأهل الأرض ، قاله الحسن ، ونظير هذا قوله تعالى : (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها) (١) ، أي : أهل الحرب. والثالث : أنّ العرب تقول إذا أرادت تعظيم مهلك عظيم : أظلمت الشمس له ، وكسف القمر لفقده ، وبكته الرّيح والبرق والسماء والأرض ، يريدون المبالغة في وصف المصيبة ، وليس ذلك بكذب منهم ، لأنهم جميعا متواطئون عليه ، والسّامع له يعرف مذهب القائل فيه ؛ ونيّتهم في قولهم : أظلمت الشمس ؛ كادت تظلم ، وكسف القمر : كاد يكسف ، ومعنى «كاد» : همّ أن يفعل ولم يفعل ؛ قال ابن مفرّغ يرثي رجلا :
|
الرّيح تبكي شجوه |
|
والبرق يلمع في غمامه (٢) |
وقال الآخر :
|
الشّمس طالعة ليست بكاسفة |
|
تبكي عليك ـ نجوم اللّيل والقمرا (٣) |
أراد : الشمس طالعة تبكي عليه ، وليست مع طلوعها كاسفة النّجوم والقمر ، لأنها مظلمة ، وإنما تكسف بضوئها ، فنجوم الليل بادية بالنّهار ، فيكون معنى الكلام : إنّ الله لمّا أهلك قوم فرعون لم يبك عليهم باك ، ولم يجزع جازع ، ولم يوجد لهم فقد ، هذا كلّه كلام ابن قتيبة.
(وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ (٣٣) إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧) وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (٣٨) ما خَلَقْناهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٩) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢))
قوله تعالى : (مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ) يعني قتل الأبناء واستخدام النّساء والتّعب في أعمال فرعون ، (إِنَّهُ كانَ عالِياً) أي : جبّارا. (وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ) يعني بني إسرائيل (عَلى عِلْمٍ) علمه الله فيهم على عالمي زمانهم ، (وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ) كانفراق البحر ، وتظليل الغمام ، وإنزال المنّ والسّلوى ، إلى غير ذلك (ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ) أي : نعمة ظاهرة.
ثم رجع إلى ذكر كفّار مكّة ، فقال (إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى) يعنون التي تكون في الدنيا (وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ) أي : بمبعوثين ، (فَأْتُوا بِآبائِنا) أي : ابعثوهم لنا (إِنْ كُنْتُمْ
__________________
(١) محمد : ٤.
(٢) البيت ليزيد بن مفرّغ الحميري ، وهو في «الأغاني» ١٨ / ١٨٧ و«الأضداد» ٤٢٤ للأنباري.
(٣) البيت لجرير يرثي عمر بن عبد العزيز ، ديوانه : ٣٠٤ و«اللسان» ـ بكى ـ
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٤ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3360_zad-almasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
