سببا لغرقهم. (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً) أي : ساكنا على حاله بعد أن انفرق لك ، ولا تأمره أن يرجع كما كان حتى يدخله فرعون وجنوده. والرّهو : مشي في سكون. قال قتادة : لمّا قطع موسى عليهالسلام البحر ، عطف يضرب البحر بعصاه ليلتئم ، وخاف أن يتبعه فرعون وجنوده ، فقيل له : (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً) أي كما هو طريقا يابسا. قوله تعالى : (إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ) أخبره الله عزوجل بغرقهم ليطمئنّ قلبه في ترك البحر على حاله. (كَمْ تَرَكُوا) أي : بعد غرقهم (مِنْ جَنَّاتٍ) وقد فسّرنا الآية في الشّعراء (١). فأمّا «النّعمة» فهو العيش اللّيّن الرّغد. وما بعد هذا قد سبق بيانه (٢) إلى قوله : (وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ) يعني بني إسرائيل. (فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ) أي على آل فرعون ، وفي معناه ثلاثة أقوال (٣) : أحدها : أنه على الحقيقة.
(١٢٥٧) روى أنس بن مالك عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «ما من مسلم إلّا وله في السماء بابان ، باب يصعد فيه عمله ، وباب ينزل منه رزقه ، فإذا مات بكيا عليه» وتلا صلىاللهعليهوسلم هذه الآية. وقال عليّ رضي الله عنه : إنّ المؤمن إذا مات بكى عليه مصلّاه من الأرض ومصعد عمله من السماء ، وإنّ آل فرعون لم يكن لهم في الأرض مصلّى ولا في السماء مصعد عمل ، فقال الله تعالى : (فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ) ، وإلى نحو هذا ذهب ابن عباس والضّحّاك ومقاتل. وقال ابن عباس : الحمرة التي في السماء
____________________________________
(١٢٥٧) ضعيف جدا. أخرجه الترمذي ٣٢٥٥ وأبو يعلى ٤١٣٣ وأبو نعيم ٣ / ٥٣ من طريق موسى بن عبيدة عن يزيد الرقاشي عن أنس به مرفوعا ، وهذا إسناد ضعيف جدا ، موسى بن عبيدة ضعيف ليس بشيء ، وشيخه يزيد ضعيف روى مناكير كثيرة عن أنس ، وهذا منها. وضعفه الترمذي بقوله : موسى ويزيد يضعفان ، وكذا ضعفه الهيثمي في «المجمع» ٧ / ١٠٤ والحافظ في «المطالب العالية» ٣ / ٣٦٩. وأخرجه أبو نعيم في «الحلية» ٣ / ٥٣ من طريق صفوان بن سليم عن يزيد بن أبان به والراوي عن صفوان هو إبراهيم بن مهاجر بن مسمار ، وهو ضعيف. ولعجزه شاهد مرسل ، أخرجه الطبري ٣١١٢٩ ومع ذلك المتن منكر ، وحسبه الوقف ، وانظر «تفسير القرطبي» ٥٤٦٩ بتخريجنا.
__________________
رفيق يحب الرفق ، ويرضى به ، ويعين عليه ما لا يعين على العنف ، فإذا ركبتم هذه الدّوابّ العجم فأنزلوها منازلها ، فإن كانت الأرض جدبة فانجوا عليها بنقيها ، وعليكم بسير الليل فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار ، وإياكم والتعريس على الطريق فإنه طرق الدّوابّ ومأوى الحيّات». قلت : حديث صحيح. أخرجه مالك ٢ / ٩٧٩ عن خالد بن معدان مرسلا. وورد من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعا ، أخرجه مسلم ١٩٢٦.
(١) الشعراء : ٥٧.
(٢) يس : ٥٥.
(٣) قال ابن كثير رحمهالله في «تفسيره» ٤ / ١٦٨ : وقوله : (فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ) أي لم تكن لهم أعمال صالحة تصعد في أبواب السماء فتبكي على فقدهم ، ولا لهم في الأرض بقاع عبدوا الله فيها فقدتهم ، فلهذا استحقوا ألا ينظروا ولا يؤخروا لكفرهم وإجرامهم ، وعتوهم وعنادهم. وقال القرطبي في «تفسيره» ١٦ / ١٢١ : (فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ) أي لكفرهم. وكانت العرب تقول عند موت السيد منهم : بكت له السماء والأرض ، أي عمّت مصيبته الأشياء ، وذلك على سبيل التمثيل والتخييل مبالغة في وجوب الجزع والبكاء عليه ، والمعنى أنهم هلكوا فلم تعظم مصيبتهم ولم يوجد لهم فقد. وتقدير الآية : فما بكت عليهم مصاعد عملهم من السماء ولا موضع عبادتهم من الأرض وفي بكاء السماء والأرض أنه كالمعروف من بكاء الحيوان ، ولا استحالة في ذلك. وإذا كانت السماوات والأرض تسبح وتسمع وتتكلم فكذلك تبكي مع ما جاء من الخبر في ذلك ، والله أعلم بصواب هذه الأقوال.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٤ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3360_zad-almasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
