سورة الصّف
ويقال لها : سورة الحواريين ؛ وفيها قولان : أحدهما : أنها مدنيّة ، قاله ابن عباس : والحسن ، ومجاهد ، وعكرمة ، وقتادة ، والجمهور. والثاني : مكيّة ، قاله ابن يسار.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (٣) إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (٤))
قوله عزوجل : (لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ) في سبب نزولها خمسة أقوال (١) :
__________________
(١) قال الطبري رحمهالله في «تفسيره» ١٢ / ٨٠ : وأولى الأقوال بتأويل الآية قول من قال : عني بها الذين قالوا : لو عرفنا أحب الأعمال إلى الله لعملنا به ، ثم قصروا بالعمل بعد ما عرفوا.
فائدة : قال ابن كثير رحمهالله في «تفسيره» ٤ / ٤٢٢ : وقوله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ) إنكار على من يعد عدّة ، أو يقول قولا لا يفي به ، ولهذا استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب من علماء السلف إلى أنه يجب الوفاء بالوعد مطلقا ، سواء ترتب عليه عزم للموعود أم لا ، واحتجوا أيضا من السنة بما ثبت في الصحيحين ، أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : «آية المنافق ثلاث : إذا حدّث كذب ، وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان» ولهذا أكّد الله تعالى هذا الإنكار عليهم بقوله : (كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ).
وقال ابن العربي في «الأحكام» ٤ / ٢٤١ ـ ٢٤٢ : إن من التزم شيئا لزمه شرعا ، والملتزم على قسمين :
أحدهما : النذر ، وهو على قسمين : نذر تقرب مبتدأ ، كقوله : لله علي صوم وصلاة وصدقة ، ونحوه من التقرب ، فهذا يلزمه الوفاء به إجماعا. ونذر مباح ، وهو ما علّق بشرط رغبة ، كقوله : إن قدم غائبي فعلي صدقة. أو علّق بشرط رهبة ، كقوله : إن كفاني الله شر كذا فعلي صدقة. فاختلف العلماء فيه ، فقال مالك وأبو حنيفة يلزمه الوفاء به. وقال الشافعي في أحد أقواله : إنه لا يلزمه الوفاء به. وعموم الآية حجة لنا ، لأنها بمطلقها تتضمن ذم من قال ما لا يفعله على أي وجه كان ، من مطلق أو مقيد بشرط. وقد قال أصحابه : إن النذر إنما يكون بما القصد منه القربة مما هو من جنس القربة. هذا وإن كان من جنس القربة ، لكنه لم يقصد به القربة ، وإنما قصد منع نفسه عن فعل أو الإقدام على فعل.
قلنا : القرب الشرعية مقتضيات وكلف وإن كانت قربات. وهذا تكلف في التزام هذه القربة مشقة لجلب نفع أو دفع ضر ، فلم يخرج عن سنن التكليف ولا زال عن قصد التقرب. فإن كان المقول منه وعدا فلا يخلو أن يكون منوطا بسبب ، كقوله : إن تزوجت أعنتك بدينار ، أو ابتعت حاجة كذا أعطيتك كذا ، فهذا لازم إجماعا
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٤ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3360_zad-almasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
