وعلى هذا جميع المفسّرين ، إلّا أن قوما شذّوا فقالوا : سينشقّ يوم القيامة. وقد روى عثمان بن عطاء عن أبيه نحو ذلك ، وهذا القول الشّاذ لا يقاوم الإجماع ، ولأنّ قوله : (وَانْشَقَ) لفظ ماض ، وحمل لفظ الماضي على المستقبل يفتقر إلى قرينة تنقله ودليل ، وليس ذلك موجودا. وفي قوله : (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا) دليل على أنه قد كان ذلك. ومعنى (اقْتَرَبَتِ) : دنت ؛ و (السَّاعَةُ) القيامة. وقال الفرّاء : فيه تقديم وتأخير ، تقديره : انشقّ القمر واقتربت الساعة. وقال مجاهد : انشقّ القمر فصار فرقتين ، فثبتت فرقة ، وذهبت فرقة وراء الجبل. وقال ابن زيد : لمّا انشقّ القمر كان يرى نصفه على قعيقعان ، والنصف الآخر على أبي قبيس.
(١٣٧٥) قال ابن مسعود : لمّا انشقّ القمر قالت قريش : سحركم ابن أبي كبشة ، فاسألوا السّفّار ، فسألوهم فقالوا : نعم قد رأيناه ، فأنزل الله عزوجل : (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ).
قوله تعالى : (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً) أي : آية تدلّهم على صدق الرسول ، والمراد بها هاهنا : انشقاق القمر (يُعْرِضُوا) عن التصديق (وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) فيه ثلاثة أقوال : أحدها : ذاهب ، من قولهم : مرّ الشيء واستمرّ : إذا ذهب ، قاله مجاهد وقتادة والكسائيّ والفرّاء ؛ فعلى هذا يكون المعنى : هذا سحر ، والسّحر يذهب ولا يثبت. والثاني : شديد قويّ ، قاله أبو العالية والضّحّاك وابن قتيبة ، قال : وهو مأخوذ من المرّة ، والمرّة : الفتل. والثالث : دائم ، حكاه الزّجّاج.
قوله تعالى : (وَكَذَّبُوا) يعني كذّبوا النبيّ صلىاللهعليهوسلم وما عاينوا من قدرة الله تعالى (وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ) ما زيّن لهم الشيطان (وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ) فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أنّ كلّ أمر مستقرّ بأهله ، فالخير يستقرّ بأهل الخير ، والشرّ يستقرّ بأهل الشرّ ، قاله قتادة. والثاني : لكلّ حديث منتهى وحقيقة ، قاله مقاتل. والثالث : أنّ قرار تكذيبهم مستقرّ ، وقرار تصديق المصدّقين مستقرّ حتى يعلموا حقيقته بالثّواب والعقاب ، قاله الفرّاء.
قوله تعالى : (وَلَقَدْ جاءَهُمْ) يعني أهل مكّة (مِنَ الْأَنْباءِ) أي : من أخبار الأمم المكذّبة في القرآن (ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ) قال ابن قتيبة : أي : متّعظ ومنتهى.
قوله تعالى : (حِكْمَةٌ بالِغَةٌ) قال الزّجّاج : هي مرفوعة لأنها بدل من «ما» ، فالمعنى : ولقد جاءهم حكمة بالغة. وإن شئت رفعتهما بإضمار : هو حكمة بالغة. و«ما» في قوله (فَما تُغْنِ النُّذُرُ)
____________________________________
٢٨٠١ والترمذي ٣٢٨٨ والطيالسي ١٨٩١ وابن حبان ٦٤٩٨ والطبراني ١٣٤٧٣. ومن حديث حذيفة : أخرجه الحاكم ٤ / ٦٠٩ والطبري ٣٢٧٠٣ ، وصححه الحاكم ، ووافقه الذهبي. ومن حديث ابن عباس. أخرجه البخاري ٤٨٦٦ ومسلم ٢٨٠٣ عن ابن عباس : إن القمر انشق على زمان رسول الله صلىاللهعليهوسلم. ومن حديث أنس بن مالك : أخرجه البخاري ٣٨٦٨ عن عبد الله بن عبد الوهاب به. وأخرجه البخاري ٣٦٣٧ وأحمد ٣ / ٢٢٠ والطبري ٣٢٦٩٣ من طرق عن سعيد بن أبي عروبة به. وأخرجه مسلم ٢٨٠٢ والترمذي ٣٢٨٢ وأحمد ٣ / ١٦٥ من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة به وأخرجه البخاري ٤٨٦٨ ومسلم ٢٨٠٢ ح ٤٧ وأحمد ٣ / ٢٧٥ والطبري ٣٢٦٩٠ و ٣٢٦٩٢ وأبو يعلى ٢٩٢٩ والطيالسي ٢٤٤٩ من طرق عن شعبة عن قتادة به. وأخرجه البخاري ٣٦٣٧ و ٤٨٦٧ ومسلم ٢٨٠٢ وأحمد ٣ / ٢٠٧ وأبو يعلى ٣١١٣ من طرق عن شيبان عن قتادة به.
(١٣٧٥) صحيح. أخرجه الطبري ٣٢٦٩٩ والبيهقي في «الدلائل» ٢ / ٢٦٦ والواحدي في «الأسباب» ٧٧٤ من طريق المغيرة عن أبي الضحى به وإسناده على شرط الصحيح.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٤ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3360_zad-almasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
