جائز أن يكون استفهاما بمعنى التّوبيخ ، فيكون المعنى : أيّ شيء تغني النّذر؟! وجائز أن يكون نفيا ، على معنى ، فليست تغني النّذر. قال المفسّرون : والمعنى : جاءهم القرآن وهو حكمة تامّة قد بلغت الغاية ، فما تغني النّذر إذا لم يؤمنوا؟!
(فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨))
(فَتَوَلَّ عَنْهُمْ) قال الزّجّاج : هذا وقف التّمام ، و (يَوْمَ) منصوب بقوله : «يخرجون من الأجداث». وقال مقاتل : فتولّ عنهم إلى يوم يدع الدّاعي أثبت هذه الياء في الحالين يعقوب ؛ وافقه أبو جعفر ، وأبو عمرو في الوصل ، وحذفها الأكثرون في الحالين. و«الدّاعي» : إسرافيل ينفخ النّفخة الثانية (إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ) وقرأ ابن كثير : «نكر» خفيفة ؛ أي : إلى أمر فظيع. وقال مقاتل : «النّكر» بمعنى المنكر ، وهو القيامة ، وإنّما ينكرونه إعظاما له. والتّولّي المذكور في الآية منسوخ عند المفسّرين بآية السيف.
قوله تعالى : (خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ) قرأ أهل الحجاز ، وابن عامر ، وعاصم : «خشّعا» بضمّ الخاء وتشديد الشين من غير ألف. وقرأ أبو عمرو ، وحمزة ، والكسائيّ : «خاشعا» بفتح الخاء وألف بعدها وتخفيف الشين. قال الزّجّاج : المعنى : يخرجون خشّعا ، و«خاشعا» منصوب على الحال ، وقرأ ابن مسعود : «خاشعة» ؛ ولك في أسماء الفاعلين إذا تقدّمت على الجماعة التوحيد والتأنيث والجمع ؛ تقول : مررت بشبّان حسن أوجههم ، وحسان أوجههم ، وحسنة أوجههم ، قال الشاعر :
|
وشباب حسن أوجههم |
|
من إياد بن نزار بن معدّ (١) |
قال المفسّرون : والمعنى أنّ أبصارهم ذليلة خاضعة عند رؤية العذاب. والأجداث : القبور ، وإنما شبّههم بالجراد المنتشر ، لأنّ الجراد لا جهة له يقصدها ، فهو أبدا مختلف بعضه في بعض ، فهم يخرجون فزعين ليس لأحد منهم جهة يقصدها. والدّاعي : إسرافيل. وقد أثبت ياء «الدّاعي» في الحالين ابن كثير ، ويعقوب ؛ تابعهما في الوصل نافع ، وأبو عمرو ؛ والباقون بحذفها في الحالين. وقد بيّنّا معنى «مهطعين» في سورة إبراهيم (٢). والعسر : الصّعب الشّديد.
(كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢))
__________________
(١) البيت للحارث بن دوس الإيادي كما في «تفسير القرطبي» ١٧ / ١١٥.
(٢) إبراهيم : ٤٣.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٤ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3360_zad-almasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
