فذروا ، مصدر بمعنى اسم الفاعل ، والتقدير : والذاريات ذارية ، أي حاملة ما يذرى .. وقد تكون الرياح وليس فى كيانها شىء تذروه معها.
أما هذه الرياح ، فهى حاملة ما تذروه ، ولهذا سميت ذاريات.
والحاملات وقرا : هى السحب الموقرة ، أي الحملة بالماء ، المثقلة به ، وتوشك أن تلده ، كما تلد الحوامل المثقلات حملهن ..
والجاريات يسرا : هى السفن ، فى حال من اليسر ، مواتية لسيرها فى ريح رخاء ، لا عاصفة ، ولا هامدة ..
والمقسّمات أمرا ، هى الملائكة فى حال حملها لما تؤمر به.
وننظر فى هذه الأقسام على هذا الوجه ، فنجدها هكذا : فالرياح ذارية ، والسحب موقرة ، والسفن ميسّرّا لها الجري ، فالملائكة مأمورة بما تقسّمه فى الناس من أرزاق وأرزاء ..
فالرياح ، والسحب ، والسفن ، والملائكة ، هى فى أحوال لها فيها وجود عامل مؤثر فى حياة الناس .. وفى قسم الله سبحانه وتعالى بها وهى متلبسة بأحوالها تلك ـ دعوة إلى الناس أن يلتفتوا إليها ، وأن يروا آثار رحمة الله بهم فيها .. فلو شاء الله لسكنت الريح ، فلم تتخلق السحب ، ولم تجر السفن ، ولما كان للملائكة عمل على هذه الأرض ، إذ لا حياة فيها مع فقدان الماء ، الذي يقول سبحانه وتعالى فيه : (وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) .. وهذا ـ والله أعلم ـ هو السرّ فى هذا الترتيب المتعاقب بين هذه الأشياء .. فكان أولها الرياح ، التي تتخلق منها السحب ، التي هى المصدر الوحيد للماء العذب الذي تفيض به الأنهار وتتفجر منه العيون ، ثم هى التي تجرى بها السّفن محملة بالناس والمتاع .. ثم هى التي جعلت الملائكة عملا فى حياة الناس ، بعد أن كان للناس حياة فى الأرض ، بالماء الذي انزل من السحب ، والذي تخلّق بفعل الرياح ..
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ١٣ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3356_altafsir-alqurani-lilquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
