وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ .. حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (٧٥ ـ ٧٩ : الأنعام).
وسقم إبراهيم هنا ، هو سقم نفسى ، لما اعتراه من حيرة خلال تلك التجربة التي عاناها مع هذه الكواكب ، التي ظل يرصدها ليلة بعد ليلة ، ويرعى مسيرتها ، ويتأمل وجهها مشرقة وغاربة .. فإذا أشرق واحد منها لقيه حفيّا به ، راجيا أن يكون الوجه الذي يرى فيه ربه الذي يعبده ، ثم إذا رآه يغرب خاب ظنه فيه ، فنفض يديه منه ، كما ينفض المرء يديه من ميت دفنه فى التراب .. وهكذا ظل إبراهيم يستقبل وجوه الكواكب ، كوكبا كوكبا ، ويدفنها واحدا واحدا ، وهكذا أيقن ـ بفطرته ، وتجربته ـ أن إلهه ليس من عالم المنظور فى الأرض أو فى السماء .. إنه ـ سبحانه ـ القوة القائمة على هذا الوجود ، والسلطان المتصرف فيه ، والإله الذي لا يتحول ولا يتبدل ، ولا يقع فى حدود النظر.
وهذه النظرة التي نظر بها إبراهيم إلى النجوم هنا ، غير تلك النظرة التي جاء ذكرها فى الآيات السابقة ، والتي كانت نظرة متسائلة متطلعة ، سأل فيها النجم والقمر والشمس ، وإنما كانت نظرته هنا نظرة مذكرة له بما كان منه وهو فى سبيل البحث عن الله ، قبل أن تأتيه الرسالة ، وكأنه يدعو بهذه النظرة قومه إلى أن يسلكوا الطريق الذي سلك ، وأن يهتدوا إلى الله بعقولهم كما اهتدى ، إن كانوا يستنكفون من اتباعه ، والأخذ بما يدعوهم إليه .. ولكن لم تكن لهم عقول تعقل ، ولا آذان تسمع .. فولّوا عنه مدبرين.
وقد أقام أكثر المفسرين تأويلهم ، لقوله تعالى : (فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ) على أن ذلك النظر كان فى مواجهة قومه ، وفى معرض
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ١٢ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3355_altafsir-alqurani-lilquran-12%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
