والإحسان ، لا العسف والجبروت ، شأن كل عزّة لا تحكمها الحكمة.
قوله تعالى :
(ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ).
كانت الآية السابقة معرضا فسيحا لقدرة الله ، وإنه لا يحسن النظر فيه ، والإفادة منه ، إلا من أوتى بصرا نافذا ، وبصيرة مشرقة ، ثم كان معه ـ مع هذا ـ قلب مؤمن ..
وفي هذه الآية ، معرض محدود من معارض هذا الوجود ، وهو معرض الخلق والبعث .. ثم أجمل هذا العرض في وحدة من وحدات الخلق ، وهى الإنسان ، فى ذات واحدة ، ونفس واحدة ..
فهذا الإنسان ، فى خلقه ، وبعثه ، يكفى النظر إليه وحده ، فى الاستدلال على قدرة الله ، وعلى أنه هو الخالق لهذا الوجود الذي لا حدود له ..
فمن نظر إلى الإنسان ، وإلى أصل نشأته ، وكيف تنقل في الخلق ، من حال إلى حال ، حتى صار هذا الكائن القوىّ ، العاقل ، الذي يمخر عباب البحر ، ويغوص في أعماق المحيط ، ويحلق في أجواء السماء ، بل ويطأ القمر بقدميه ـ من نظر إلى هذا الإنسان الذي تخلق من نطفة ، تخلقت من من أخلاط مختلفة ، ثم نظر إليه في قوته وجبروته ، ثم أعاد النظر إليه وقد ردّ إلى الشيخوخة والهرم ـ رأى كمال قدرة الله ، وعلمه ، وحكمته ، وأنه وحده سبحانه ، القادر على كل شىء ، قدرة مطلقة لا يعجزها شىء .. وأن الذي خلق الإنسان ، قادر على أن يخلق الناس جميعا ، وأن الذي خلق الناس ، قادر على أن يخلق السموات والأرض .. ففى القليل ما يدل على الكثير ، وإن قطرة الماء لتحمل في كيانها خصائص ما في البحار كلها من مياه ..!
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ١١ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3353_altafsir-alqurani-lilquran-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
