ـ وفي قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ). إشارة إلى شمول سمع الله لكل شىء ، وإحاطة بصره بكل شىء ، يستوى في هذا خفيض الأصوات وجهيرها ، وقريب الأشياء وبعيدها .. وأقرب مثل لهذا ـ ولله المثل الأعلى ـ السمع والبصر ، فى كيان الإنسان .. فالسمع السليم ، يستقبل ويسمع جميع الأصوات الواقعة تحت دائرة حسه ، لا فرق في ذلك بين كلام الإنسان ، وأصوات الحيوان ، وحفيف الأشجار ، وهدير الرعد ، وخرير الماء .. وكذلك البصر السليم ، يرى كل المرئيات التي تقع في دائرته ، سواء في ذلك الجميل والقبيح ، والأبيض والأسود ، والمتحرك والثابت.
فإذا كان سمع الإنسان وبصره ، يتّسعان لأكثر من شىء في وقت واحد ، أفلا يكون في قدرة الله أن يسمع كل شىء ، ويبصر كل شىء؟ وإذا كان الإنسان قد استطاع أن يتخذ من الوسائل ما يرى بوساطتها الأشياء البعيدة التي لم تكن تراها عينه ، ويسمع الأصوات الخفية التي لم تكن تسمعها أذنه ـ أفلا يكون ذلك مما تطوله القدرة الإلهية وتعمل به؟ وإذا كان الإنسان قد استطاع أن ينقل الأصوات والمرئيات ، لسمعه وبصره ، من أطراف الأرض كلها في لحظة ، أفلا تستطيع القدرة القادرة أن تفعل الكثير الذي لا حدود له في هذا المقام؟ وإذا كان بين العلماء الذين يملكون هذه الوسائل ، وبين من يعيشون في حدود حواسهم الطبيعية ـ هذا المدى البعيد في مدركات السمع والبصر ـ أفلا يكون بين الله سبحانه وتعالى وبين خلقه ، ما لا نهاية له من فروق؟ وإذن فما الفرق بين الخالق وما خلق؟ (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ؟ أَفَلا تَذَكَّرُونَ؟) (١٧ : النحل).
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ١١ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3353_altafsir-alqurani-lilquran-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
