ـ وقوله تعالى : (أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ) ـ هو استفهام توبيخى لهؤلاء المشركين الذين يتلقون معتقدهم عن آبائهم ، دون أن يكون لهم نظر أو رأى فيما تلقوه ، ودون أن يتعرفوا إلى حقيقة هذا المعتقد ، وما فيه من حق أو باطل ، ومن خير أو شر ، وإنما يأخذونه كما هو ، عادة من العادات ، وتقليدا من التقاليد ..
فلو أن آباءهم هؤلاء جاءوا إليهم على صورة شياطين يدعونهم إلى جهنم ويفتحون لهم أبوابها ، لاستجابوا لهم ، ولاقتفوا آثارهم ، دون وعى ، أو التفات إلى النار التي هم مدفوعون إليها ، إنه التقليد الأعمى ، والمتابعة الحمقاء ، التي يسلّم فيها المرء وجوده كله لغيره ، دون أن يجعل لعقله حق النظر والاختيار.
وإنه لعدوان أثيم على الجانب الروحي في الإنسان ، وذلك بحرمانه من أن يذوق بوسائله الإدراكية ، والشعورية ، والوجدانية ، ما يغذّى هذا الجانب ويرضيه تماما كما يفعل الإنسان فيما يتصل بغذائه الجسدى ، فهو الذي يتخير طعامه ، ويذوقه ، ويمضغه ، فإن استساغه تركه يأخذ سبيله إلى جوفه ، وإن مجّه ، أو استخبثه ، ألقى به من فيه. وحمى جوفه من سوء ما ينحم منه.
فكيف يقبل الإنسان أن يدع لغيره اختيار ما يغذّى روحه ومشاعره ، ووجدانه؟ إن ذلك أشبه بالتغذية الصناعية ، التي يعيش عليها الأطفال أو المرضى ، لا يفيد منها الجسم إلا بالقدر الذي يمسك عليه الحياة .. هذا إذا كان الغذاء الصناعى طيبا سليما .. فكيف به إذا كان خبيثا فاسدا؟.
قوله تعالى :
(وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ ، وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ).
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ١١ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3353_altafsir-alqurani-lilquran-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
