قوله تعالى : (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ) ـ هو عزاء للنبى الكريم ، ومواساة كريمة له. لما كان يصيبه من أذى ، يلقى به إليه قومه ، بلا مبالاة وبغير حساب .. فالرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ ليس أول من دعا إلى الخير فلقى الأذى ، ومدّ يده بالهدى ، فردّ السفهاء يده .. فلقد سبقه إلى ذلك كثيرون من رسل الله ، مستهم من أقوامهم البأساء والضرّاء .. ولكن الله سبحانه أملى لهؤلاء السفهاء ، أي أمهلهم ، وأفسح لهم فى الحياة وزينتها ، ثم أخذهم أخذ عزيز مقتدر .. كما يقول سبحانه : (فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (٤٠ : العنكبوت).
ـ وفى قوله تعالى : (فَكَيْفَ كانَ عِقابِ) .. وعيد لهؤلاء المشركين من قريش ، وإلفات لهم إلى ما أخذ الله به الظالمين قبلهم : وإنه لعقاب أليم .. وبلاء محيط ، يهلك الحرث والنسل ..
قوله تعالى : (أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ..) الاستفهام هنا إنكارى .. والهمزة بمعنى أىّ .. والتقدير : أىّ أحق بالعبادة ، من هو قائم على كل نفس بما كسبت ، فيعلم سرها وجهرها ، ويجزيها على ما تعمل من خير أو شر ، أم تلك الآلهة التي ولدتها الأوهام والضلالات؟.
وقد حذف المعادل لهمزة التسوية استخفافا به ، وهوانا له ، وتنزيها لله سبحانه أن يقارن به شىء من خلقه ، أو من ضلالات خلقه. ولهذا جاء النظم القرآنى عارضا قدرة الله ، وأنه القاهر فوق عباده ، القائم على كل نفس بما كسبت .. ضاربا عن ذكر الآلهة التي افتراها المفترون ، وعبدها المشركون الضالون ..
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ٧ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3349_altafsir-alqurani-lilquran-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
