فهؤلاء المشركون الذين ينكرون أن ينزّل الله على بشر هديا من السماء يهديهم إلى الحق وإلى طريق مستقيم ـ هؤلاء لم يقدروا الله حق قدره ، ولم ينظروا إلى آثار رحمته ، فيما يسوق الله سبحانه إلى عباده من نعم وما يحفّهم به من ألطاف ، ينعمون فيها ، ويتمتعون بها ، فكيف ينكرون على الله أن يسوق إلى عقولهم وقلوبهم ، من رحماته ، ما يضىء ظلامها ويغسل أدرانها ..؟
وفى قوله تعالى : (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ) تحريض للمشركين أن يكونوا أهل كتاب ، مثل هؤلاء اليهود الذين كانوا يحسدونهم على أنهم أهل كتاب ، وأصحاب شريعة ، وأنهم كانوا يتمنّون قبل بعثة النبىّ أن يكون لهم كتاب سماوى ، كما يقول تعالى على لسانهم : (لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ) (١٥٧ : الأنعام) أي لكنا أهدى من هؤلاء اليهود.
وفى قوله تعالى : (تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً) هو إشارة من بعيد إلى اليهود ، بهذا الالتفات إليهم فى هذه المناسبة ، وإرهاص بما سيلقاهم به النبىّ بعد هذا من آيات الله ، التي تفضح مخازيهم ، وتكشف فساد عقيدتهم .. وقد قرئ : «يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرا».
والقراطيس جمع قرطاس ، وهو الورقة .. إذ كان اليهود لا يتعاملون ولا يعملون بالكتاب الذي بين أيديهم ، ولا يعرضونه على الناس كما هو ، بل يعرضون منه قراطيس ، فيها ما يوافق أهواءهم ، ويخفون الكثير مما لا يشتهون ..
وقوله تعالى : (وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ) هو خطاب لهؤلاء المشركين من العرب ، فقد جاءهم الرسول الكريم بعلم جديد ، أذاعه فيهم ، ونشره عليهم ، فيما يتصل بالألوهية ؛ وما ينبغى لها من جلال وتفرد بالوجود .. وقد عرف المشركون هذا ، وكانوا يسمعونه ويردّدونه ، وإن كانوا لا يؤمنون به ..
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ٤ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3346_altafsir-alqurani-lilquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
