الجن والإنس أن يعبدوه. يعني لما أراد أن يأمر من شاء منهم بعبادته ، عرفهم وجوه العبادات ، وبين لهم حدودها وشروطها ، وخلق لهم مدارك ومشاعر ، وقوى وجوارح ، فخاطبهم وكلفهم ، وبشرهم وأنذرهم ، وأمهلهم ، وحملهم دون ما تتسع له بنيتهم. فصارت العلل مزاحة ، وحجج العصاة والمقصرين منقطعة.
وقال في معنى الرحيم : إنه المثيب على العمل ، فلا يضيع لعامل عملا ، ولا يهدر لساع سعيا ، وينيله بفضل رحمته من الثواب أضعاف عمله.
وقال أبو سليمان الخطابي فيما أخبرت عنه : اختلف الناس في تفسير الرحمن ، ومعناه ، وهل هو مشتق من الرحمة أو لا؟ فذهب بعضهم إلى أنه غير مشتق ، لأنه لو كان مشتقا من الرحمة ، لا تصل بذكر المرحوم ، فجاز أن يقال : الله رحمن بعباده ، كما يقال : رحيم بعباده. ولأنه لو كان مشتقا من الرحمة ، لأنكرته العرب حين سمعوه ، إذ كانوا لا ينكرون رحمة ربهم. وقد قال الله (عزوجل) : (وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً) (١).
وزعم بعضهم أنه اسم عبراني. وذهب الجمهور من الناس إلى أنه مشتق من الرحمة مبني على المبالغة. ومعناه : ذو الرحمة لا نظير له فيها. ولذلك لا يثني ولا يجمع ، كما يثنى الرحيم ويجمع. وبناء فعلان في كلامهم بناء المبالغة. يقال لشديد الامتلاء : ملآن. ولشديد الشبع : شبعان. والذي يدل على مذهب الاشتقاق في هذا الاسم حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه. يعني ما أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني ، أنا أبو بكر ، محمد ابن الحسين القطان ، أنا أحمد بن يوسف السلمي ، حدثنا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، قال : إن أبا الرداد الليثي أخبره عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلىاللهعليهوسلم يقول : قال الله (عزوجل) : أنا
__________________
(١) سورة الفرقان آية ٦٠.
