تلفظهم أرضوهم ، تقذرهم نفس الله عزوجل ، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير» (١) فهذا الحديث في النفس لا في النفس.
وقال أبو سليمان الخطابي رحمهالله : قوله صلىاللهعليهوسلم «ستكون هجرة بعد هجرة» معنى الهجرة الثانية الهجرة إلى الشام يرغب في المقام بها وهي مهاجر إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وقوله صلىاللهعليهوسلم «تقذرهم نفس الله تعالى» تأويله أن الله عزوجل يكره خروجهم إليها ومقامهم بها ، فلا يوفقهم لذلك ، فصاروا بالرد وترك القبول في معنى الشيء الذي تقذره نفس الإنسان فلا تقبله.
وذكر النفس هاهنا مجاز واتساع في الكلام ، وهذا شبيه بمعنى قوله تعالى : (وَلكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ) (٢) قلت : والحديث تفرد به شهر بن حوشب رضي الله عنه وروي من وجه آخر عن عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما موقوفا عليه في قصة أخرى بهذا اللفظ ، ومعناه ما ذكره أبو سليمان من كراهيته لمذكورين فيه والله أعلم.
وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل أنا عبد الله بن جعفر حدثنا يعقوب بن سفيان حدثنا أبو النضر اسحاق بن إبراهيم بن يزيد وهشام بن عمار الدمشقيان قالا حدثنا يحيى بن حمزة حدثنا الأوزاعي عن نافع وقال أبو النضر عمن حدثه عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «سيهاجر أهل الأرض هجرة بعد هجرة إلى مهاجر إبراهيم عليه الصلاة والسلام حتى لا يبقى الاشرار أهلها ، تلفظهم الأرضون وتقذرهم روح الرحمن ، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير ، تبيت معهم حيث باتوا ، وتقيل معهم حيث قالوا ، ولها يسقط منهم». وظاهر هذا أنه قصد به بيان نتن ريحهم ، وأن الأرواح التي خلقها الله تعالى تقذرهم ، وإضافة الروح إلى الله تعالى بمعنى الملك والخلق والله أعلم.
__________________
(١) الحديث أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد ٣ باب في سكنى الشام ٢٤٨٢ بسنده عن عبد الله ابن عمرو قال : سمعت رسول الله صلىاللهعليهوسلم يقول : وذكره. وأحمد بن حنبل في المسند ٢ : ٨٤ ، ١٩٩ ، ٢٠٩ (حلبي).
(٢) سورة التوبة آية ٤٦.
