عليه ، فلا يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى أكون له سمعا وبصرا» (١) وهذا القول من الرسول صلىاللهعليهوسلم من لطيف التمثيل عند ذوي التحصيل ، البعيد من التشبيه ، المكين من التوحيد ، وهو أن يستولي الحق على المتقرب إليه بالنوافل حتى لا يسمع شيئا إلا به ، ولا ينطق إلا عنه ، نشرا لآلائه ، وذكرا لنعمائه ، وإخبارا عن منته المستغرقة للخلق ، فهذا معنى قوله يسمع به وينطق ولا يقع نظره على منظور إليه إلا رآه بقلبه موحدا ، وبلطائف آثار حكمته ومواقع قدرته من ذلك المرئي المشاهد ، يشهده بعين التدبير وتحقيق التقدير ، وتصديق التصوير.
|
وفي كل شيء له شاهد |
|
يدل على أنه واحد |
فتقرب العبد بالإحسان ، وتقرب الحق بالامتنان ، يريد أنه الذي أدناه وتقرب العبد إليه بالتوبة والإنابة ، وتقرب الباري إليه بالرحمة والمغفرة ، وتقرب العبد إليه بالسؤال ، وتقربه إليه بالنوال ، وتقرب العبد إليه بالسر وتقربه إليه بالبشر ، لا من حيث توهمته الفرقة المضلة الأعمال والمتغابية بالأعثار.
وقد قيل في معناه إذا تقرب العبد إلي بما به تعبدته ، تقربت إليه بما له عليه وحدته ، وقيل في معناه : إنما هو كلام خرج على طريق القرب من القلوب دون الحواس ، مع السلامة من العيوب ، على حسب ما يعرفه المشاهدون ، ويجده العابدون ، من أخبار دنو من يدنو منه ، وقرب من يتقرب إليه ، فقال على هذه السبيل ، وعلى مذهب التمثيل ولسان التعليم بما يقرب من التفهيم ، إن قرب الباري من خلقه يقربهم إليه بالخروج فيما أوجبه عليهم ، هكذا القول في الهرولة ، إنما يخبر عن سرعة القبول ، وحقيقة الإقبال ودرجة الوصول ، والوصف الذي يرجع إلى المخلوق مصروف على ما هو به لائق ، وبكونه متحقق ، والوصف الذي يرجع إلى الله سبحانه وتعالى يصرفه لسان التوحيد ، وبيان التجريد ، إلى نعوته المتعالية ، وأسمائه الحسنى ، ولو لا
__________________
(١) الحديث أخرجه الإمام البخاري في كتاب الرقاق ٢٨ باب التواضع ٦٥٠٢ بسنده عن عطاء عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم وذكره. وأخرجه الإمام أحمد في كتاب المسند ٦ :
٢٥٦ (حلبي).
