الوحي من السماء وما ينطق عن الهوى إِن هو إِلّا وحي يوحى ، فالرسول كان يحكم ويقضي بما يوحي إليه ربُّه من القرآن وبما يلهم به من السنن من غير حاجة إلى اُصول وقواعد لاستنباط الأحكام الشرعية .
« وكان أصحابه يفتون ويقضون بالنصوص التي يفهمونها بملكتهم العربية السليمة من غير حاجة إلى قواعد لغوية يهتدون بها على فهم النصوص ، ويستنبطون فيما لا نصّ فيه بملكتهم التشريعية التي ركزت في نفوسهم من صحبتهم الرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، ووقوفهم على أسباب نزول الآيات ، وورود الأحاديث وفهم مقاصد الشارع ومبادىٔ التشريع » (١) .
ولكن بعد مرور الزمان وابتعاد المسلمين عن مصدر التشريع ، وفقدان السليقة اللغوية ، وحدوث قضايا جديدة بحكم الاتّصال بالحضارات المختلفة ، واتّساع البلاد الإسلامية ، ودخول مجتمعات واُمم كثيرة في الدين الحنيف .. احتاج المسلمون إلى طريق يصلون به إلى معرفة الأحكام الإسلامية من نصوصها الأصيلة ، وإلى استنباط أحكام للقضايا الجديدة تتّفق مع الكتاب والسُنّة بل تنبع من الكتاب والسُنّة .
وهكذا احتاجوا إلى علم الاُصول .
وتفيد الروايات التي وصلتنا عن أئمّة اهل البيت ( عليهم السلام ) ، أنّ الأئمّة كانوا ـ في بعض الأحيان ـ يلقون إلى أصحابهم كلّيات بعض الاُمور ، ويوكلون إليهم تفريع الأحكام حسب هذه الكليات .
وأول من فتح باب هذا العلم وفتق مسائله هو باقر العلوم الإمام أبو جعفر محمد بن علي الباقر وبعده ابنُه أبو عبد الله الصادق عليهما السلام ، وقد أمليا على جماعة من تلامذتهما قواعده ومسائله ، وقد جمع من تلك الأمالي مسائل رتّبها المتأخّرون في كتب مستقلّة متّصلة الإسناد إلى أهل البيت عليهم السلام منها كتاب « اُصول
____________________________
(٢) علم اُصول الفقه : ١٦
