فيها الى الله تعالى محمودة ليلة الاربعاء ، فسيروا غداً اليها ولو اشرفت على الموت لئلا يستوهن عزم المهاجرين معي ثم أخذ يوصي بما يجب ويرتب صورة مسيره الى دفع الكفار حتى انفلق عمود الفجر وحيث قد بين في أول الليلة لاصحابه قائلاً : « انني اشتهي ان ازور حضرة الإمام عليه السلام لاودعه فاني لا اظن بنفسي الرجوع بعد هذا ونصلي صلاة الصبح في حضرته » .
قيل له : إن ضعف مزاجك لا يسوغ لك الآن حركة ، فصل الصبح هاهنا وخذ لنفسك بالمنام راحة اذ لم تنم ليلك ولا نهارك ثم زر الإمام عندما تنوي الخروج من النجف .
فاستحسن هذا القول وصلى الصبح فريضة ونافلة ثم اشتكى من حدوث انقباض في قلبه وأنّ أنّة رقيقة ومدد كالمغمى عليه وتوفى وفاة هنيئة كما عاش عيشة شريفة ، فجاءوا بدكتور الحكومة فلما لمسه وامتحنه عزى اهله وصحبه بوفاة والد الاُمة وضج الحاضرون وذاع الخبر فاصبحت النجف ضجة واحدة وخرج الناس حيارى وسكارى لا يصدقون نعيه علماً منهم بكمال صحته واستقامته فتسلمته ايدي المنون على غرة في العالمين وانتشلته من صفوف الاحياء وهم في ذهول عنه وغفلة (١) .
وكان يوم وفاته يوماً عظيماً على المسلمين وحدثاً كبيراً في العالم الاسلامي بأسره ، فترى الناس حيارى من امرهم لا يملكون حولاً ولا قوة ولا يتمالكون انفسهم من البكاء والعويل مكفوفة طباعهم عن الأكل والشرب .
وشيع جثمانه الطاهر تشييعاً عظيماً ، واستترت شمس جثته في اُفق اللحد قبل المغرب بثلاث ساعات في مقبرة العلامة الآية حجة الاسلام ميرزا حبيب الله الرشتي الواقعة عن يمين من يخرج من باب ساعة الصحن العلوي على مشرّفه السلام .
وانما دفن هناك لرغبة كان يظهرها في ذلك اثناء حياته وما دفن هناك وحده بل دفن التقى والعلم والجود والسؤدد والاخلاص معه .
____________________________
(١) مجلة العلم : المجلد الثاني العدد السابع : ٢٩٠ ـ ٢٩٧ .
