في كلّ النّصارى أم خاصّ؟ فيه قولان : أحدهما : أنه خاص ، ثم فيه قولان : أحدهما : أنه أراد النّجاشيّ وأصحابه لمّا أسلموا ، قاله ابن عباس وابن جبير. والثاني : أنهم قوم من النّصارى كانوا متمسّكين بشريعة عيسى ، فلمّا جاء محمّد عليهالسلام أسلموا ، قاله قتادة. والقول الثاني : أنه عامّ. قال الزجّاج : يجوز أن يراد به النّصارى لأنهم كانوا أقلّ مظاهرة للمشركين من اليهود.
قوله تعالى : (ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً) قال الزجاج : «القس» و «القسيس» من رؤساء النصارى. وقال قطرب : القسيس : العالم بلغة الروم ، فأما الرهبان : فهم العبّاد أرباب الصوامع. قال ابن فارس : الترهب : التعبد ، فإن قيل : كيف مدحهم بأن منهم قسيسين ورهبانا وليس ذلك من أمر شريعتنا؟ فالجواب : أنه مدحهم بالتّمسّك بدين عيسى حين استعملوا في أمر محمّد ما أخذ عليهم في كتابهم ، وقد كانت الرّهبانيّة مستحسنة في دينهم. والمعنى : بأنّ فيهم علماء بما أوصى به عيسى من أمر محمّد صلىاللهعليهوسلم. قال القاضي أبو يعلى : وربّما ظنّ جاهل أنّ في هذه الآية مدح النّصارى ، وليس كذلك ، لأنه إنّما مدح من آمن منهم ، ويدلّ عليه ما بعد ذلك ، ولا شكّ أنّ مقالة النّصارى أقبح من مقالة اليهود.
قوله تعالى : (وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) ، أي : لا يتكبّرون عن اتّباع الحقّ.
قوله تعالى : (وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ).
(٤٥٧) قال ابن عباس : لمّا حضر أصحاب النبيّ صلىاللهعليهوسلم بين يدي النّجاشيّ ، وقرءوا القرآن ، سمع ذلك القسّيسون والرّهبان ، فانحدرت دموعهم ممّا عرفوا من الحقّ ، فقال الله تعالى : (ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ) إلى قوله تعالى : (الشَّاهِدِينَ).
(٤٥٨) وقال سعيد بن جبير : بعث النّجاشيّ من خيار أصحابه ثلاثين رجلا إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقرأ عليهم القرآن ، فبكوا ورقّوا ، وقالوا : نعرف والله ، وأسلموا ، وذهبوا إلى النّجاشيّ فأخبروه فأسلم ، فأنزل الله فيهم (وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ ...) الآية.
(٤٥٩) وقال السّدّيّ : كانوا اثني عشر رجلا ؛ سبعة من القسّيسين ، وخمسة من الرّهبان ، فلمّا قرأ عليهم رسول الله صلىاللهعليهوسلم القرآن ، بكوا وآمنوا ، فنزلت هذه الآية فيهم (١).
____________________________________
(٤٥٧) حسن. أخرجه الطبري ١٢٣٢٠ من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بأتم منه ، ورجاله ثقات ، لكن فيه إرسال بين علي وابن عباس. وله شاهد عن عبد الله بن الزبير ، أخرجه النسائي في «التفسير» ١٦٨ والطبري ١٢٣٣٠ ، وله شاهد من مرسل عطاء ، أخرجه الطبري ١٢٣٢٢.
(٤٥٨) مرسل. أخرجه الطبري ١٢٣١٨ عن خصيف الجزري عن سعيد بن جبير مرسلا.
ـ وكرره برقم ١٢٣٢٨ عن سالم الأفطس عن سعيد به.
(٤٥٩) مرسل. أخرجه الطبري ١٢٣٢١ بأتم منه عن السدي مرسلا ، والمرسل من قسم الضعيف. وله شاهد عن أبي صالح ، أخرجه الطبري ١٢٣٢٦ وهو مرسل ، وفيه راو لم يسمّ. الخلاصة : هذه الروايات جميعا تتأيد بمجموعها ، فيكون النجاشي وأصحابه الذين آمنوا بالنبي صلىاللهعليهوسلم من هؤلاء ، ويدخل في ذلك كل من اتصف بذلك من أهل الكتاب ، وأصح ما في الباب حديث ابن الزبير وابن عباس. وانظر التعليق الآتي.
__________________
(١) قال الطبري رحمهالله في «جامع البيان» ٥ / ٥ : والصواب في ذلك من القول عندي : أن الله تعالى وصف صفة
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ١ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3324_zad-almasir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
