(أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، والكسائيّ ، وأبو جعفر «السّحت» مضمومة الحاء مثقّلة. وقرأ نافع ، وابن عامر ، وعاصم ، وحمزة «السّحت» ساكنة الحاء خفيفة. وروى خارجة بن مصعب عن نافع «أكّالون للسّحت» بفتح السين وجزم الحاء. قال أبو عليّ : السّحت والسّحت لغتان ، وهما اسمان للشيء المسحوت ، وليسا بالمصدر ، فأمّا من فتح السين ، فهو مصدر سحت ، فأوقع اسم المصدر على المسحوت ، كما أوقع الضّرب على المضروب في قولهم : هذا الدّرهم ضرب الأمير. وفي المراد بالسّحت ثلاثة أقوال : أحدها : الرّشوة في الحكم. والثاني : الرّشوة في الدّين ، والقولان عن ابن مسعود. والثالث : أنه كلّ كسب لا يحلّ ، قاله الأخفش.
قوله تعالى : (فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) فيمن أريد بهذا الكلام قولان :
أحدهما : اليهوديّان اللذان زنيا ، قاله الحسن ، ومجاهد ، والسّدّيّ. والثاني : رجلان من قريظة والنّضير قتل أحدهما الآخر ، قاله قتادة. وقال ابن زيد : كان حييّ بن أخطب قد جعل للنّضيريّ ديتين ، والقرظيّ دية ، لأنه كان من النّضير ، فقالت قريظة : لا نرضى بحكم حييّ ، ونتحاكم إلى محمّد ، فقال الله تعالى لنبيّه : (فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ) الآية.
فصل : اختلف علماء التفسير في هذه الآية على قولين : أحدهما : أنها منسوخة ، وذلك أنّ أهل الكتاب كانوا إذا ترافعوا إلى النبيّ صلىاللهعليهوسلم كان مخيّرا ، إن شاء حكم بينهم ، وإن شاء أعرض عنهم ، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى : (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ) فلزمه الحكم ، وزال التّخيير ، وهذا مرويّ عن ابن عباس ، وعطاء ، ومجاهد ، وعكرمة ، والسّدّيّ. والثاني : أنها محكمة ، وأن الإمام ونوّابه في الحكم مخيّرون إذا ترافعوا إليهم ، إن شاؤوا حكموا بينهم ، وإن شاؤوا أعرضوا عنهم ، وهذا مرويّ عن الحسن ، والشّعبيّ ، والنّخعيّ ، والزّهريّ ، وبه قال أحمد بن حنبل ، وهو الصّحيح ، لأنه لا تنافي بين الآيتين ، لأنّ إحداهما : خيّرت بين الحكم وتركه. والثانية : بيّنت كيفية الحكم إذا كان.
(وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣))
قوله تعالى : (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ) قال المفسّرون : هذا تعجيب من الله عزوجل لنبيّه من تحكيم اليهود إياه بعد علمهم بما في التّوراة من حكم ما تحاكموا إليه فيه ، وتقريع لليهود إذ يتحاكمون إلى من يجحدون نبوّته ، ويتركون حكم التّوراة التي يعتقدون صحّتها.
قوله تعالى : (فِيها حُكْمُ اللهِ) فيه قولان : أحدهما : حكم الله بالرّجم ، وفيه تحاكموا ، قاله الحسن. والثاني : حكمه بالقود ، وفيه تحاكموا ، قاله قتادة.
قوله تعالى : (ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ) فيه قولان : أحدهما : من بعد حكم الله في التّوراة. والثاني : من بعد تحكيمك. وفي قوله تعالى : (وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) قولان : أحدهما : ليسوا بمؤمنين لتحريفهم التّوراة. والثاني : ليسوا بمؤمنين أنّ حكمك من عند الله لجحدهم نبوّتك.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ١ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3324_zad-almasir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
