العبد قتل نفسه ، وهذا الظّاهر. والثاني : أن معناه : لا يقتل بعضكم بعضا ، وهذا قول ابن عباس ، والحسن ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، وقتادة ، والسّدّيّ ، ومقاتل ، وابن قتيبة. والثالث : أنّ المعنى : لا تكلّفوا أنفسكم عملا ربّما أدّى إلى قتلها وإن كان فرضا.
(٢٧٢) وعلى هذا تأوّلها عمرو بن العاص في غزاة ذات السّلاسل حيث صلّى بأصحابه جنبا في ليلة باردة ، فلمّا ذكر ذلك للنبيّ صلىاللهعليهوسلم ، قال له : يا عمرو صلّيت بأصحابك وأنت جنب؟ فقال : يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة ، وأشفقت إن اغتسلت أن أهلك ، فذكرت قوله تعالى : (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) ، فضحك رسول الله صلىاللهعليهوسلم.
والرابع : أن المعنى : لا تغفلوا عن حظّ أنفسكم ، فمن غفل عن حظّها ، فكأنّما قتلها ، هذا قول الفضيل بن عياض. والخامس : لا تقتلوها بارتكاب المعاصي.
(وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً (٣٠))
قوله تعالى : (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً) في المشار إليه ثلاثة أقوال : أحدها : أنه قتل النّفس ، قاله ابن عباس ، وعطاء. والثاني : أنه عائد إلى كلّ ما نهى الله عنه من أوّل السّورة إلى هاهنا ، روي عن ابن عباس أيضا. والثالث : قتل النّفس ، وأكل الأموال بالباطل ، قاله مقاتل.
(إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً (٣١))
قوله تعالى : (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ) ، اجتناب الشّيء : تركه جانبا.
وفي الكبائر أحد عشر قولا :
(٢٧٣) أحدها : أنها سبع. فروى البخاريّ ، ومسلم في «الصّحيحين» من حديث أبي هريرة عن النبيّ صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «اجتنبوا السّبع الموبقات ، قالوا : يا رسول الله وما هنّ؟ قال : الشّرك بالله ، والسّحر ، وقتل النّفس التي حرّم الله إلا بالحقّ ، وأكل الرّبا ، وأكل مال اليتيم ، والتّولّي يوم الزّحف ، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات».
(٢٧٤) وقد روي هذا الحديث من طريق آخر عن أبي هريرة ، عن النبيّ صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «الكبائر سبع ، الإشراك بالله أوّلهنّ ، وقتل النّفس بغير حقّها ، وأكل الرّبا ، وأكل مال اليتيم بدارا أن يكبروا ، والفرار من الزّحف ، ورمي المحصنات ، وانقلاب إلى أعرابيّة بعد هجرة».
____________________________________
(٢٧٢) جيد. أخرجه أبو داود ٣٣٤ وأحمد ٤ / ٢٠٣ ـ ٢٠٤ والحاكم ١ / ١٧٧ والبيهقي ١ / ٢٢٥ من حديث عمرو بن العاص. وقال الحاكم : صحيح على شرطهما ، ووافقه الذهبي ، وقال الحافظ في الفتح ١ / ٤٥٤ : إسناده قوي. ونقل الزيلعي في نصب الراية ١ / ١٥٧ عن النوري قوله : حسن أو صحيح.
(٢٧٣) صحيح. أخرجه البخاري ٢٧٦٦ و ٥٧٦٤ و ٦٨٥٧ ومسلم ٨٩ وأبو داود ٦٨٧٤ والنسائي ٦ / ٢٥٧ وأبو عوانة ١ / ٥٤ ـ ٥٥ والطحاوي في «المشكل» ٨٩٤ وابن حبان ٥٥٦١ والبيهقي ٨ / ٢٤٩ من طرق وكلهم عن أبي هريرة مرفوعا.
(٢٧٤) أخرجه البزار ١٠٩ «كشف» وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ١ / ١٠٣ : رواه البزار ، وفيه عمرو بن أبي سلمة ، ضعفه شعبة وغيره ، ووثقه أبو حاتم وابن حبان وغيره.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ١ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3324_zad-almasir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
