(وَبِداراً) تبادرون أكل المال قبل بلوغ الصّبيّ (وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ) بماله عن مال اليتيم.
وفي الأكل بالمعروف أربعة أقوال : أحدها : أنه الأخذ على وجه القرض ، وهذا مروي عن عمر ، وابن عباس ، وابن جبير ، وأبي العالية ، وعبيدة ، وأبي وائل ، ومجاهد ، ومقاتل. والثاني : الأكل بمقدار الحاجة من غير إسراف ، وهذا مروي عن ابن عباس ، والحسن ، وعكرمة ، وعطاء ، والنّخعيّ ، وقتادة ، والسّدّيّ. والثالث : أنه الأخذ بقدر الأجرة إذا عمل لليتيم عملا ، روي عن ابن عباس ، وعائشة ، وهي رواية أبي طالب ، وابن منصور ، عن أحمد رضي الله عنه. والرابع : أنه الأخذ عند الضّرورة ، فإن أيسر قضاه ، وإن لم يوسر ، فهو في حلّ ، وهذا قول الشّعبيّ (١).
فصل : واختلف العلماء هل هذه الآية محكمة أو منسوخة؟ على قولين :
أحدهما : محكمة ، وهو قول عمر ، وابن عباس ، والحسن ، والشّعبيّ ، وأبي العالية ، ومجاهد ، وابن جبير ، والنّخعيّ ، وقتادة في آخرين. وحكمها عندهم أن الغنيّ ليس له أن يأكل من مال اليتيم شيئا ، فأما الفقير الذي لا يجد ما يكفيه ، وتشغله رعاية مال اليتيم عن تحصيل الكفاية ، فله أن يأخذ قدر كفايته بالمعروف من غير إسراف. وهل عليه الضّمان إذا أيسر؟ فيه قولان لهم : أحدهما : أنه لا ضمان عليه ، بل يكون كالأجرة له على عمله ، وهو قول الحسن ، والشّعبيّ ، والنّخعيّ ، وقتادة ، وأحمد بن حنبل. والثاني : إذا أيسر وجب عليه القضاء ، روي عن عمر وغيره ، وعن ابن عباس أيضا كالقولين. والقول الثاني : أنها منسوخة بقوله تعالى : (لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ*) (٢) وهذا مروي عن ابن عباس ولا يصح.
قوله تعالى : (فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ) قال القاضي أبو يعلى : هذا على طريق الاحتياط لليتيم ، والوليّ ، وليس بواجب ، فأما اليتيم ، فإنه إذا كانت عليه بيّنة ، كان أبعد من أن يدّعي عدم القبض ، وأما الوليّ ، فإنه تظهر أمانته ، ويسقط عنه اليمين عند إنكار اليتيم للدّفع.
وفي «الحسيب» ثلاثة أقوال : أحدها : أنه الشهيد ، قاله ابن عباس ، والسّدّيّ ، ومقاتل. والثاني : أنه الكافي ، من قولك : أحسبني هذا الشيء ، أي كفاني ، والله حسيبي وحسيبك ، أي : وكافينا ، أي يكون حكما بيننا كافيا ، قال الشاعر (٣) :
|
ونقفي وليد الحي إن كان جائعا |
|
ونحسبه إن كان ليس بجائع |
__________________
(١) قال ابن كثير رحمهالله في «تفسيره» ١ / ٤٦٤ : قال الفقهاء : له أن يأكل من أقل الأمرين أجرة مثله أو قدر حاجته. واختلفوا هل يردّ إذا أيسر؟ على قولين : أحدهما : لا لأنه أكل بأجرة عمله وكان فقيرا ؛ وهذا هو الصحيح عند أصحاب الشافعي. لأن الآية أباحت الأكل من غير بدل. قال أحمد ؛ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا سأل رسول الله صلىاللهعليهوسلم : ليس لي مال ولي يتيم؟ فقال : «كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر ولا متأثل مالا ومن غير أن تقي مالك ـ أو قال ـ تفدي مالك. والثاني : نعم لأن مال اليتيم على الحظر ؛ وإنما أبيح للحاجة فيردّ بدله كأكل مال الغير للمضطر لا عند الحاجة.
(٢) النساء : ٢٩.
(٣) في «اللسان» : قفي ؛ نسب البيت لامرأة من بني قشير. ونقفيه أي نؤثره بالقفية ؛ وهي ما يؤثر به الصبي والضيف.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ١ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3324_zad-almasir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
